شاهدة قبر

قياسي

image

أدفن عصافيري الميتة
أمام المنزل
وأضع شاهدا على رأس كل واحد منها
ثم أخذ الأقفاص وأفتحها
أضعها على حافة الشرفة
الكثير الكثير من الحبوب
والماء يتماوج في الإناء
منتظرة إصطياد عصفور أخر
ولكن هذه المره
سأحبسه قليلا
ثمَّ أطلق سراحه.

في الصباح
وجدت عصفورا أزرق اللون
يأكل ويشرب بنهم
وتسألت كم هو نظيف ذلك العصفور!
كم هو عطش ذلك العصفور
كم هو حزين ذلك العصفور.
وآقفلت القفص بهدوء
وإلتفتّ!.

ثم سمعت الصراخ والأنين
تعودّت على الحرية يقول.
سأحررك بعد عدة أيام، لاتقلق
سأموت سأموت.. أخرجيني
وأغلقت الباب ورائي
ونسيته
وتذكرته
وعندما عدت له من جديد
وجدت باب القفص مفتوحا
فتفاجأت.. ربّاه!!
مددت رأسي من الشرفة
لأتتبّع أثره
فلاحظت وجود شاهد رابع
أمام المنزل
وتذكرت بأنني دفنته البارحة
عندما انتابني الغضب من صوته.
الحريّة.. الحريّة.

الجنوبي، لا يُصالح!

قياسي

مرور عامين، كما ذكرني الفيس بوك على قراءة السيرة الذاتيّة للشاعر المصري “أمل دنقل”.
الجنوبي، السيرة الذاتيّة التي خطتها زوجته عبله الرّويني، والتي سردت فيها تفاصيل لقاءهما أول مره، وتحدثت فيه عن أمل الشاعر، الزوج، الحبيب الصديق، والمعاناه التي مرّ بها أثناء مرضه في الغرفة رقم ثمانية.. إلى أن فارق الحياة.
يُذكرني الفيس بوك، بتفاصيل قراءتي لتلك المذكرات، وبأول مره وقعت فيها حبًا لأمل دنقل، أثناء قراءتي لقصيدته الشهيرة “لا تُصالح” التي كتبها عام 1979 إعتراضًا على إتفاقيّة كامب ديڤيد للسلام، بين مصر وإسرائيل.
ما أشبه الأمس بالبارحة!
غادرنا أمل بسلام في 21 مايو عام 1983. جاء ليحارب العالم، وليتمرّد على كل شيء، ولكنّ المرض أهلكه وأخذه منّا مُبكرًا.
الله يرحمك ويغفرلك، ويُحسن إليك.

*
القصيدة بصوت أمل دنقل:

*
مقتطفات قريبة لقلبي من قصيدة “لاتصالح” لشهيد الغرفة رقم 8:

كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: “إنتبه”!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!

فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
وإهتزَّ قلبي -كفقاعة- وإنفثأ!
وتحاملتُ، حتى إحتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: إبن عم الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم .
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ.

هاهي الآن صامتة
حرمتها يدُ الغدرِ
من كلمات أبيها!
إرتداء الثياب الجديدة.
من أن يكون لها -ذات يوم- أخ
من أب يبتسم في عرسها.
وتعود إليه إذا الزوج أغضبها.

هل يصيرُ دمي بين عينيك ماء؟
أتنسى ردائي الملطّخ بالدماء؟
تلبسُ -فوق دمائي- ثيابا مطرزة بالقصب؟!
إنها الحرب!
قد تُثقل القلب.
لكن خلفك عار العرب!
لا تُصالح، ولا تتوخّى الهـرب.

جناحيّ فراشة..

قياسي

جناحي فراشة معطوبان.
تشدهما أسلحة الحرب
كلما حلقتا عاليا.

جناحي فراشة هشّان.
الطفل الذي يحملهما على كتفيه
ضعيف.

جناحي فراشة زرقاوين
عندما يحلق بهما الطفل عاليا
يختفيان.
ويمتزج لونهما بلون السماء.

يحلق وحيدا..
عاليًا، بعيدا.
بعيدا جدا عن أزيز الرصاص
ودبابات الحرب.

يطفو فوق نهر من الشوكولاته
ويبادل أصحابه الحلويات.
يُلقي بالكرة عند الجيران،
ويطير لإحضارها منهم.
يلعب، ويلعب ويلعب ويلعب.
إلى أن يسقط هاويا على وجهه
من شدة التعب.

ينام.. نومة هانئة.
لأول مره، لم يشعر بشيء
ولم يشعر بالحشرات
التي تتسلل إلى شعر رأسه.
ولأول مره لم يسقط.. في الحلم.

لكنّه، يستيقظ على صوت الرشاشات
يشعر بالفزع والهلع.
يجهّز نفسه للرحيل والتحليق.
يقول لأمه “سأذهب وأعود عندما ينتهي كل شيء”
“هذه المرّه لايمكنني البقاء،
لم يعد بإمكاني أن أبقى“
بكت أمّه.. “لا” قالت.
إستغرب تحرّك أصابعها على ظهره.
تحسسه وأحسّ بالألم ينغرس بداخل أضلعه.
أشواك بارزة، تنغرس في أصابعه الصغيرة
كلما مرّرها على جلده.
أين الجناحين؟ أين الجناحين؟.

قياسي

مجموعة نصوص مختارة للشاعر والناقد الفرنسي ( تشارلز بودلير ) من ديوانه زهور الشر.


إن نفسي المتصدعة عندما تريد من خلال سأمها أن تملأ بغنائها جو الليالي الباردة.
فإنّ صوتها غالبًا ماينطلق ضعيفا.
كحشرجة جريح منسي على حافة بحيرة من الدم!
تحت أكداس الجثث.
وهو يعالج سكرات الموت دون حراك.
بجهدٍ عظيم.

أنا بهو قديم تملؤه الزهور الذابلة.
تسكنه أكداس من الأزياء التي فات زمانها.


فالأمل يبكي مقهورًا
والقلقُ الفظيع المتجبّر
ينحني فوق رأسي ليغرس فيه
علمه الأسود.

وأفكّر بكل من فقد شيئا لايمكن تعويضه.
الذين يشربون دموعهم ويمتصّون آلامهم.
كيتامى الذئبة الطيبة. الناحلين الذابلين كالأزهار.
أفكّر بالغابة التي أصبحت منفى لعقلي!
فتق في صدري ذكرى قديمة كما يدق البوق.
أفكّر بالبحارة المنسيين فوق جزيرة ضائعة.
الأسرى والمغلوبين وبكثيرين غيرهم.

image

image

image

image

image

image

image

image

لوركا – عماد أبو صالح.

قياسي

يبدو بأنني لم أنتبه لمن كان واقفا بجانبي بين العشب في تلك الليلة!. شاهدة على إحدى عمليات الإغتيال التي أطفأت ضوء القمر.
خلف الأحراش.. في تلك الليلة الظلماء. ليلة الوجه الأبيض. في الساعة الباردة.
لم أنتبه.. فقد كنت أتتبّع خطواته وهو يركض ليتجنب الموت والرصاص.
ولكن.. أحدهم كان هناك أيضا، وكتب عنه، متأثرا بجراح ما رآه يومًا.

💫💫

لوركا:

رأيتُ لوركا..
وهم يجرّونه لساحات الإعدام.

لم أجرؤ على إنقاذه!
مع أنه أعزّ أصدقائي.

إختبأت في العتمة
وكتمتُ أنفاسي.
خفتُ أن يعرفوا
بأنني أحبّ أشعاره.

كان يرتجفُ كطفلٍ
ويولول كأرملة.
ويتضرعُ إلى الله كقدّيس
ويتوسل إلى الحراس كجبان..
حتى لايحرموه من الغناء:
للقمر
والشجر
والغجر!.

(سامحيني ياقلوب محبيه،
لو أنني قلتُ بأنني رأيته يعوي ككـلب!
حين وضعوا أصابعهم على الزناد).

حاول
-بكل الطرق-
أن يُثبت لهم
أنّه لاعلاقة له بالثوّار.

أنّه
-أساسًا-
يخافُ البطولاتِ والأبطال.
أنّه مجرّد شاعر!

لكنهم أخرسوه برصاصة.

💫💫

– كان نائما حين قامت الثورة / عماد أبوصالح.

عماد أبو صالح والحريّة.

قياسي

image

*الحريـّة:

كل ليلة منذ سنين لايعرف عددها
يتكوّم في ركن
على البلاط..
ويحلم.

زملاؤه في الزنزانة
يُعاملونه بعنف!
لأن إبتسامته المتقطعة
تبرق في الظلمة
وتقلق نومهم.

يركلونه بأرجلهم ويقولون:
“وراءنا تكسير أحجار في الصباح! كُفّ عن هذه السخافات التي لا تتحقق أبدًا“.

إنّه لايحلم أحلامًا كبيرة..
كأن يدق باب البيت.
يُقبّل أطفاله.
فقط يريد أن يشمّ دفقة هواء
لم تُدمِها أسلاك السور
لحظة عبورها إليه.

أن يلمس هذه الشجرة
التي يتعلق في حديد النافذة
بيديه النحيلتين ليراها.

أن يُكلم الله وجهًا لوجه
في فضاء واسع.

“سأخنقها وأريح نفسي
أنا أتعب في تربيتها
ثم تطير وحدها
وتنساني“
يقول هذه الكلمات من يأسه..
لكن ما إن يجيء الليل حتى يحلم مرة ثانية!.

في يوم رأي الباب مفتوحًا
لا بنادق. 
ولا كلاب.
ولا حراس.
هو نفسه لم يكن يعرف
أكان ذلك حقيقة أم في حلم.

فرد ذراعيه وجرى
جرى بأقصى مالديه من سرعة
بما سمحت له مفاصله
التي أكلها الروماتيزم!

لكنه توقف فجأة..
كانت الشمس ساطعة
والسماء كبيرة
والحقول خضراء.

أحس نفسه وحيدًا
وضائعًا
ومفضوحًا في النور.

ضرب قبضته في الهواء وعاد
محني الرأس وبخطوات بطيئة.

هناك عند الباب..
زملاؤه كانوا ينتظرونه.
لم يسخروا منه.

واحد أشعل له نصف سيجارة
وواحد ضربه بحنان على كتفه
وواحد أعطاه فأسا ومقطفا.

حتى سجناء الزنازن الأخرى
تظاهروا بأنهم لا يرونه
لئلا يشعر بالحرج.

على الجبل فوق..
لم يكن يراهم في الغبار
لكنه إكتشف لأول مره
أنهم يحضنونه بقوة
بالسلسلة التي في أرجلهم.

إكتشف أنه بدقّات فأسه
عازفُ إيقاعٍ
يجعل غنائهم أكثر عذوبة.

في المساء..
حملوا الفؤوس على الأكتاف!
ومشوا كأي عمّالٍ عائدين للبيت من العمل.
كل عدة خطوات
يحكي أحدهم نكته وينفجرون ضاحكين.

الحراس!
بمرور الوقت
تركوا الباب مفتوحًا
واثقين أنهم لم يعودوا يفكرون في الهرب.

من ديوان الشاعر عماد أبو صالح “قبور واسعة“.