شاعر البرتغال الحزين -فرناندو بيسوا-

قياسي

فرناندو بيسوا..
الرجل البرتقالي الحزين.
مابك؟
إنفصلت روحك عن جسدك.
أمرتاحٌ الآن!
أليس هذا ما أردته طِوال الـ 47 سنة؟
تمكّن منك ثنائي القُطب
وأكلك تشمّع الكبد..

أغنّي قصائدك في أمسيات شعرية
ينبذني الجميع،
لا أحد يريد سماع الوحدة
النحيب
والبكاء
لا أحد يريد قراءة الحزن
الجميع يبحث عن الحُب
يتركونني أغني وحيدة
للجدران، وللكؤوس الفارغة
أقرأ أناشيدك لـ
نوافذ الصيف
و قطط الشوارع..  فتبكي
أجمع المتشردين على حلقة من نار
يستمعون جيدا
لأول مره يصمتون
يبكون،
ثم ينامون في هدوء.. لأول مره.
لأول مره.. لم يسرقني أحد.
إذن..
وجودنا هو المأساة.. أتفق
ولكن.. قل لي ياصديقي
كيف فعلتها؟
كيف فصلت نفسك عن جسدك
حتى أصبحت كالشبح؟
كيف إستسلمت؟
حدثتني جارتك ريتا عن ذلك
قالت: هذا يشبه ألڤارو تماما.
جاري سابقا! يستيقظ صباحا،
بوجه شاحب وينام بوجه شاحب.
يغلي المياه، لصنع القهوة.
ثم يذهب للمقهى لطلب الشاي والكحول.
أناديه من الشرفة:
ياألڤارو العزيز. صباح الخير،
مياهك تغلي وغازك سينفذ.
أحضر لي الخبز في الطريق.
هكذا، كل يوم، وكل صباح“.

حسنًا، أتمنى لو شهدتُّ ذلك..
كنت سأطفئ الغاز بنفسي
وأغلق النوافذ
وأذهب لطلب الشاي بجانبك.
لا أحبّ الشاي!

أيها العزيز.. لما فصلت نفسك؟
كان بإمكانك أن تحيا كالجميع..
كان بإمكانك أن تحبّ القهوة مثلا..
لا أعرف بما أناديك..
ثمانون إسما، وشخصيات كثيرة
لقد أنهكك ثنائي القطب حقًا!
ﺃﻟﺒﺮﺗﻮ ﻛﺎﻳﻴﺮﻭ، ﺭﻳﻜﺎﺭﺩﻭ ﺭﻳﻴﺲ،
فرناندو بيسوا، أم ألڤارو دي كامبوس؟

Advertisements

كرنڤال الراسورات

قياسي

إنني أخشى من أنني قد أوهم نفسي
في بعض الأحيان..
لا، بل في كثيرٍ من الأحيان
بأن الأوضاع ستتحسّن.
“ستتحسّن يومًا، ويصبح كل شيء بخير“
-يا إلهي!
إنني أوهم نفسي مرة أخرى!
أكذب على نفسي مرة أخرى!!.

يامدينة المستنقعات الراكدة
والطحالب الخضراء
والدوسنتاريا
إنني أطفو فوق ظهرك
وأقبّل يديك
افتحي لي
جميع النوافذ المغلقة
مرة واحدة فقط!

واليد التي تكبّل
عنقي من الخلف
ستُقطع يومًا..
ويد الوحش الكبير
التي تقبضُ على معدتي
ستفلتني يومًا.

إنه القلق!
القلق الدائم.
القلق من كل شيء.. وأي شيء.

كاذبة.. كاذبة.. كاذبة..
ورائحتك زائفة ونتنة.
وتخافين الحُلم.

واقعيّة أكثر من اللازم
بطريقة غير مريحة البتّه
بطريقةٍ مزعجة أحيانًا.
بطريقةٍ مُبكية..

رأسي ملئ بالراسورات
الكثير من
الراسورات النابضة،
لايمكن عدّها.
تطنّ في رأسي
كلما اختليت بنفسي.

فراغٌ.. فراغٌ.. فراغ!

لاأستطيع جمع شتات نفسي
وأشتاق لروحي القديمة.
إنني أنجر الى هوّة ساحقة
ومعتمة.
لا أرى فيها
الا بعض النقاط البيضاء!
لا، انها ليست نقاط بيضاء.
بل عيونٌ تبصرني!.
لا.. ليست عيون أيضًا..
بل……
أوه.. مالذي آراه بالتحديد؟
يجب أن أمسح نظارتي.

أنا أيضا (3) -إلى الشاعرة آن ساكستون-

قياسي

أنا أيضا مثلك يا آن
لا أحب اليأس
ومللت المرساة التي تجرني الى الأسفل.
أيها اليأس
أنت لاتناسب وجهي
ولا كتاباتي
ولا فنجان الشاي الخاص بي.
ولا وريقات النعناع التي تغطي الشرفة
ولا أزهاري..
ولا صبّارتي البلاستيكيّة.
*

على حافة الوادي
تقص آن شعرها بمقصٍ حديديّ
وأنا من ورائها أتبع خطواتها
بينما نسمع سويًا صوت أصداء غريبه قادمة من تحت. على وجهها تبدو ملامح الهدوء
عيناها متعبتان.. قليلًا
شفتاها مغطاة بالقشور.. جافّة
وعلى قلبها يتربع “سلطعونٌ“ ضخم
يقبض على أنفاسها كلما صرخت.
*

نصعد درج المنزل
تُخرج قنينة الكونياك وكأسًا صغيرة
وقطعة ثلج واحدة.. تكفي.
الصوت إخترق رأسها
ولايمكن التخلص منه الا بهذه الكأس.
“أحبّ الفرار من رأسي
وهذا غير واردٍ البتّه“*
“إنني الآن مستسلمة بالكامل“*
تُشغّل الراديو
فيصدح صوت موسيقى البلوز فجأة..
مادي والتر يغنّي صديقه الذي قُتل..
الجميع متفق على إنهاء كل شيء.
“عجبا للموسيقى تنهمر على الحواس وتُبصر أكثر منّي“*
انسلّت كشبح من امامي
وأنا ارقص على الموسيقى
دخلت للمرأب وأغلقته من وراءها
و”تنفست الظلمة في قلبها“.
و رحلت.
/

شاهدة قبر

قياسي

image

أدفن عصافيري الميتة
أمام المنزل
وأضع شاهدا على رأس كل واحد منها
ثم أخذ الأقفاص وأفتحها
أضعها على حافة الشرفة
الكثير الكثير من الحبوب
والماء يتماوج في الإناء
منتظرة إصطياد عصفور أخر
ولكن هذه المره
سأحبسه قليلا
ثمَّ أطلق سراحه.

في الصباح
وجدت عصفورا أزرق اللون
يأكل ويشرب بنهم
وتسألت كم هو نظيف ذلك العصفور!
كم هو عطش ذلك العصفور
كم هو حزين ذلك العصفور.
وآقفلت القفص بهدوء
وإلتفتّ!.

ثم سمعت الصراخ والأنين
تعودّت على الحرية يقول.
سأحررك بعد عدة أيام، لاتقلق
سأموت سأموت.. أخرجيني
وأغلقت الباب ورائي
ونسيته
وتذكرته
وعندما عدت له من جديد
وجدت باب القفص مفتوحا
فتفاجأت.. ربّاه!!
مددت رأسي من الشرفة
لأتتبّع أثره
فلاحظت وجود شاهد رابع
أمام المنزل
وتذكرت بأنني دفنته البارحة
عندما انتابني الغضب من صوته.
الحريّة.. الحريّة.

الجنوبي، لا يُصالح!

قياسي

مرور عامين، كما ذكرني الفيس بوك على قراءة السيرة الذاتيّة للشاعر المصري “أمل دنقل”.
الجنوبي، السيرة الذاتيّة التي خطتها زوجته عبله الرّويني، والتي سردت فيها تفاصيل لقاءهما أول مره، وتحدثت فيه عن أمل الشاعر، الزوج، الحبيب الصديق، والمعاناه التي مرّ بها أثناء مرضه في الغرفة رقم ثمانية.. إلى أن فارق الحياة.
يُذكرني الفيس بوك، بتفاصيل قراءتي لتلك المذكرات، وبأول مره وقعت فيها حبًا لأمل دنقل، أثناء قراءتي لقصيدته الشهيرة “لا تُصالح” التي كتبها عام 1979 إعتراضًا على إتفاقيّة كامب ديڤيد للسلام، بين مصر وإسرائيل.
ما أشبه الأمس بالبارحة!
غادرنا أمل بسلام في 21 مايو عام 1983. جاء ليحارب العالم، وليتمرّد على كل شيء، ولكنّ المرض أهلكه وأخذه منّا مُبكرًا.
الله يرحمك ويغفرلك، ويُحسن إليك.

*
القصيدة بصوت أمل دنقل:

*
مقتطفات قريبة لقلبي من قصيدة “لاتصالح” لشهيد الغرفة رقم 8:

كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: “إنتبه”!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!

فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
وإهتزَّ قلبي -كفقاعة- وإنفثأ!
وتحاملتُ، حتى إحتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: إبن عم الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم .
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ.

هاهي الآن صامتة
حرمتها يدُ الغدرِ
من كلمات أبيها!
إرتداء الثياب الجديدة.
من أن يكون لها -ذات يوم- أخ
من أب يبتسم في عرسها.
وتعود إليه إذا الزوج أغضبها.

هل يصيرُ دمي بين عينيك ماء؟
أتنسى ردائي الملطّخ بالدماء؟
تلبسُ -فوق دمائي- ثيابا مطرزة بالقصب؟!
إنها الحرب!
قد تُثقل القلب.
لكن خلفك عار العرب!
لا تُصالح، ولا تتوخّى الهـرب.

جناحيّ فراشة..

قياسي

جناحي فراشة معطوبان.
تشدهما أسلحة الحرب
كلما حلقتا عاليا.

جناحي فراشة هشّان.
الطفل الذي يحملهما على كتفيه
ضعيف.

جناحي فراشة زرقاوين
عندما يحلق بهما الطفل عاليا
يختفيان.
ويمتزج لونهما بلون السماء.

يحلق وحيدا..
عاليًا، بعيدا.
بعيدا جدا عن أزيز الرصاص
ودبابات الحرب.

يطفو فوق نهر من الشوكولاته
ويبادل أصحابه الحلويات.
يُلقي بالكرة عند الجيران،
ويطير لإحضارها منهم.
يلعب، ويلعب ويلعب ويلعب.
إلى أن يسقط هاويا على وجهه
من شدة التعب.

ينام.. نومة هانئة.
لأول مره، لم يشعر بشيء
ولم يشعر بالحشرات
التي تتسلل إلى شعر رأسه.
ولأول مره لم يسقط.. في الحلم.

لكنّه، يستيقظ على صوت الرشاشات
يشعر بالفزع والهلع.
يجهّز نفسه للرحيل والتحليق.
يقول لأمه “سأذهب وأعود عندما ينتهي كل شيء”
“هذه المرّه لايمكنني البقاء،
لم يعد بإمكاني أن أبقى“
بكت أمّه.. “لا” قالت.
إستغرب تحرّك أصابعها على ظهره.
تحسسه وأحسّ بالألم ينغرس بداخل أضلعه.
أشواك بارزة، تنغرس في أصابعه الصغيرة
كلما مرّرها على جلده.
أين الجناحين؟ أين الجناحين؟.