لماذا نكتب؟

قياسي

image

“حين لا أكتب، يجتاحني شعور بفقد شيء ما. إذا طالت بي الحال، تزداد الأمور سوءا، وأصاب بإكتئاب.
حين أكتب، خاصة إذا كان سير الكتابة جيدًا، فأنا أعيش في بُعدين مختلفين، هذا العالم الذي أعيش فيه الآن، وأستمتع به كثيرًا، والعالم المُختلف كليًا الذي أقيم فيه دون أن يعرف به أحد. وأظن أنه حتى زوجي لايمكنه التنبؤ به. حياة مزدوجة هذه التي أعيشها، دون أن امسّ زواجي وجنتّه بسوء.
حين أقوم بكتابة نص أدبي، أنسى من أكون ومن أين جئت.“ -جينيفر إيغان.

هل سألت نفسك يومًا وأنت متسمّر أمام شاشة الحاسب الآلي، غارقًا في الكتابة، تصطاد الأفكار المتطايرة هُنا وهُناك، وتحزن لإختفاء فكرة ما.. لماذا أكتب؟.
لماذا نكتب؟ يبدو أنه السؤال الذي تصعب إجابته حتى على أكبر الكّتاب الذين لهم مكانة في الأدب العالمي.
لماذا نكتب إذا؟ مالذي يدفع المرء للكتابة، والإنتقال إلى عوالم أخرى أثناء الكتابة، وإنفصالهم عن الواقع في تلك اللحظات المغريّة.
مالذي يجعلنا نمسك الورقة والقلم، أو الكتابة على الحاسب الآلي، أو حتى الكتابة وسرد كل شيء في أدمغتنا؟.
هذه الرغبة الشديدة في التحدث عن كل شيء وأي شيء، الرغبة الشديدة في نقل أفكارك ومعتقداتك للجميع بدون إستثناء. أم أنها الرغبة والخوف من المغادرة، بدون أن تخبر العالم عن مافي جُعبتك ومشاركتهم مايدُور في رأسك؟.
لماذا نكتب؟ هو الكتاب الذي حاولت ميريدث ماران، الإجابة عن السؤال فيه، مع عشرون كاتبًا مشهورًا في الوسط الأدبي العالمي، إلّا أن القاريء العربي لن يعرف على الأغلب منهم إلّا القليل، أو واحد على الأقل كالروائية إليزابيث الليندي، أو قد لايعرف أحد منهم على الإطلاق.
ولكن لا أعتبر أنه شيء مهم للغاية طالما أننا جميعا نتشارك شغف وحب أمر واحد، ألا وهو الكتابة، والأهم من كل ذلك (القراءة).
يقول ريك مودي “قبل أن أبدأ الكتابة، كنت قارئا نهمًا.“
فكل مايتشارك به هؤلاء الكتّاب هو “القراءة“ قراءة الكتب بكثرة، فكيف للمرء أن يبدأ الكتابة قبل أن يطلّع على الكتب السابقة التي كُتبت، سيكتسب الخبرة من القراءة، الأفكار لبدء بمشروع جديد، تدفق الكلمات منك مباشرة بكثرة.
“يجب أن تقرأ بقدر ماتستطيع. تلك هي أفضل طريقة لتتعلم كيف تكتب.“ -سوزان أورلين.
ماذا لو لم يقرأ أولئك الأدباء كل تلك الكُتب التي قرأوها وهم صغار، بالطبع لن يكون لهم حصّة ومساحة في هذا الكتاب، ولا في تاريخ الأدب.

وكالجميع أيضا، قررت أن أجاوب على السؤال بنفسي، كتبت العديد العديد من الإجابات، وفي كل مرة أغيّر رأيي عن الكتابة، أستسلمت وأكتفيت بالقول “لأني أحب الكتابة، ثمة حياة أخرى في الكتابة، حياة رائعة، غريبة ومثيرة للإهتمام“.
“لا أستطيع ألّا أكتب، ثمة شخصيات عالقه في ذهني، يجب أن أكتبها لأتخلص منها“.

عدد صفحات الكتاب 304، ترجمة بثينة العيسى وأخرون من مشروع تكوين للترجمة، حيث كان هذا الكتاب هو أول نتاج لهذا المشروع الرائع.
كما أن الترجمه كانت دقيقة وبطريقة أدبية فذّة.. يشعر القاريء بأنه جليس في كل لقاء يقرأه للكتّاب العشرون بداخله.
كما أنّك ستجد نفسك في الكتاب حتمًا، سيجد الكاتب الصغير كان أم الكبير نفسه كثيرًا في صفحاته، لن تشعر بأنك وحيد، وبأن كل المراحل التي تمر بها للكتابة هي مراحل طبيعيّة وضروريّة لإنتاج عمل إبداعي في عالم الأدب السّاحر.
يتحدث الأدباء، عن تجاربهم ونجاحاتهم وفشلهم مع دور النشر التي رفضتهم، أشدد على الفشل! الكثير الكثير من الفشل، والكثير الكثير من النجاحات “لا تيأس“.
“أنا كالملاكم، تلقّي الضربات هي أسوأ اللحظات وأفضلها. إنني أحاول النجاة وحسب.“ -والتر موزلي.

وفي نهاية كل لقاء يحصل القاريء و “الكاتب“ منّا على بعض النصائح من شُخوص عالميّة سبقتنا في هذا العالم البديع.

أخيرًا، لماذا نكتب؟.
إننا نكتبُ لنزيل حِملًا ثقيلًا ينكبّ فجأة على أكتافنا. لنشعر بأننا أحرار، لنخبر العالم بأننا موجودين.

“أحتاج أن أروي قصّة، إنّه هاجس.“ -إليزابيث الليندي.

“الكتابة جزء كبير من حياتي، إلى حد أنني لا أستطيع ألّا أكتب. إذا لم أكتب سأجنّ; وبصراحة لديّ عائلة، وأنا أحتاج للنقود.“ -جيمس فري.

“أكتب لأنّ هذا ما أتقن فعله.“ -سو غرافتون.

“الشيء الوحيد الذي يدفعني للجنون أكثر من الكتابة، هو عدم الكتابة.“ -سارا غروين.

“أكتب لأن هذا هو الشيء الوحيد الذي أعرفه.“ -كاثرين هاريسون.

“الكتابة هي جزء جوهريّ من وجودي في هذا العالم.“ -غيش جين.

إذا؛ إنّ الكتابة هي حياة من نوعٍ أخر، لا يُمكن الخروج منها ما إن تدخل إليها.

Advertisements

الجنس الآخر-سيمون دي بوفوار.

قياسي

#‏مراجعةـكتاب‬

12662611_940071399376120_5382271734694067018_n

Artwork By : Josephine Cardin

إن نضال المرأة لم يكن قط إلا نضالًا رمزيا، ولم تفز إلا بما أراد الرجل التنازل عنه. لم تأخذ شيئًا أبدا بل تسلمت ما أعطيَ لها.” –سيمون دي بوفوار.

كتاب الجنس الآخر لـ سيمون دي بوفوار، وهي فيلسوفة وجودية وإن كانت ترفض هذه التسمية، والوجوديون يرون أن للإنسان الحريّة المطلقة في نفسه ولايحق لأي شخص أن يستعبد شخصا أخر مهما كانت الإختلافات والأسباب..
في كتابها تدرس نفسية المرأة وتحللها تحليلًا مفصلا تاما، متسائلة عن سر نشأة التمييز الحاصل بين الذكر والأنثى، دارسة الموضوع من وجهة نظر نفسية وكذلك تاريخيّة طول العصور، وتلاحظ تغيّر وضع المرأة السابق عن الحالي وإن كان لايزال يمارس هذا الظلم بوطأة خفيفة.. أو أن المرأة قد إعتادته حتى أصبح عندها كأسلوب حياة إجتماعي لايمكنها الحياد عنه؟.

الكتاب مؤلف من 319 صفحة، بجزئين: الأول مقدمة عن الموضوع من الناحية النفسية والتاريخيّة والفيزيائية، أما الجزء الثاني فهو يتكون من أربعة أقسام: مراحل تكوين المرأة، أوضاع المرأة-الإجتماعية الإقتصادية… إلخ-، تبريرات للمرأة، وأخيرا نحو تحرر المرأة والذي تطرح فيه بعض الحلول لهذه المشكلة.
ولكن سأسرد أكثر فصل أعجبني وهو تحدثها عن مراحل تكوين المرأة من الطفولة حتى الشيخوخة، حيث تغوص سيمون في أعماق نفسها وإن أختلف معها في عدة نقاط.

فترى دي بوفوار أن مرحلة نشأة الطفولة هي سبب البلاء كله، من الأم والأب –مركزة على الأم تحديدا- وطريقة نظرتهما وتربيتهما لهذه الفتاة وصقلهما لها، حيث أن ماتتربى عليه الفتاة إن لم تكن واعيه بما يحيطها سيؤدي بها حتما للهلاك النفسي أولا ثم المجتمعي وإن لم تلحظ هذا، وستسصبح خانعه لكل ماتؤمر به، ستهرب من حريتها وتحول نفسها لغرض أو متاع، ستصبح ضائعة وفريسة لإرادة الأخرين، وغير قادرة على تأكيد ذاتها في مجتمعها الصغير/الكبير.
“لقد تقرر مصيرها! فتصبح زوجة، أما وجدة وستشرف على العناية ببيتها وبأطفالها وكما تفعل أمها تماما أنها لم تتجاوز بعد الثانية عشرة من عمرها ومع ذلك فإن تاريخها مكتوب في السماء بحروف من نار وعلى مر الأيام ستكتشف مستقبلها السلبي دون أن تُساهم في بنائه وأنها لتشعر بالفضول الممزوج بالخوف حين تفكر بالحياة التي حددت طبيعتها منذ الآن والتي تنقادُ نحوها إنقيادًا أعمى في كل لحظة تعيشُ فيها“.”

ثمّ تطرقت إلى مرحلة المراهقة والتي يتم تحديد فيها مصير الفتاة رسميًا:
إنّه لوضعٌ مؤلم أن تشعر الفتاة بسلبيتها وتبعيتها في سن الأمل والطموح. في السن التي تتفتح خلالها إرادة الحياة لدى الإنسان ليبني نفسه مكانا على سطح الأرض. ففي هذه المرحلة من العمر تتعلم أن النصر محرم عليها وأنّه يجب عليها أن تتخلى عن شخصيتها المستقلة “التي عاشتها أثناء الطفولة” وأن مستقبلها يتوقف على إرادة ومشيئة الرجال.”.

كثيرًا ماتعتري الناس الدهشة أمام السهولة التي تتخلى فيها الفتاة عن الموسيقى والدراسة والمهنة إذا وجدت زوجا مناسبا لها، الأمر الذي يدل على أنها لاتعلق أيّة أهمية على هذه المجالات الفكريّة فلاتشعر بأية خسارة في حالة تخليها عنها.”.

ثمّ تتحدث عن مرحلة الزواج “المرأة المتزوجة” وهي المرحلة التي أختلف فيها معها كثيرا..
سيمون تنظر للزواج كمؤسسة إستعبادية مالم يتحقق من المساواة شيء طوال الفترة التي يمضيانها مع بعض، وتنظر للرجل كأنه حيوان لاينظر للمرأة إلا كمتاع جنسي فقط..
الزواج هو المصير التقليدي الذي يخصصه المجتمع للمرأة، وأغلب النساء حتى يومنا هذا إما متزوجات أو يعددن أنفسهن للزواج أو يتألمن لعدم تزوجهن” ثمّ تبدأ بتحليل الزواج من منظورها الضيّق المتعصب إن صح التعبير.

في هذه المرحلة تتحدث عن الأمومة.. إنه الإستعداد الطبيعي للمرأة حيث لاتكتمل أنوثتها إلا إذا أنجبت طفلا..
حيث تؤكد على التأثير الكبير الذي تتركه الأم في إبنتها من تأثير سلبي أحيانا في نفسها، فلا تعزز ثقتها بل تحاول هدمها بشتى الطرق.
بوفوار تدعم الإجهاض وأن للمرأة الحق بالتصرف في جسدها ومحتواه الإحتفاظ به أو التخلص منه.
كما أنها ترى أن الدين أيضا أحد أسباب الظلم.. ماعلينا منها.
الجزء المهم والأخير هو تحدثها عن مرحلة الشيخوخة لدى المرأة وكيف تبني أحلامها وطموحها في أولادها والصراع الذي يتبع كل هذا مع زوجة إبنها/ هذي حقيقه ولايمكن إنكارها ولازال هذا الصراع مستمر وسيستمر لأبد الأبدين ونراه كل يوم في مجتمعاتنا، المرأة تنسى نفسها وتبنيها في أحد أبناءها إن لم تجد في زوجها المراد…
*
أخيرا إقتباسات أعجبتني:

“إننا نحبس المرأة في المطبخ أو في المخدع وبعد ذلك نندهش إذ نرى أفقها محدود، ونقص جناحيها ثم نشكو من أنها لاتعرف التحليق.”

“”يجب أن يؤسس الحب الصحيح على الإعتراف المشترك بوجود حريتين دون أن يتخلّى أي من المحبين عن نزوعه إلى الإرتقاء

مرة أخرى نعود للقول بأن ضعف المرأة لايعود إلى أسباب فطرية في طبيعتها، وإنما حالتها العامة التي يفرضها عليها المجتمع منذ حداثتها حتى أواخر أيامها.”
*

ماتسرده سيمون في الكتاب شيء عظيم كتحليل نفسي ودراسة لنفس المرأة ولكن بعض مما تتحدث عنه منافي ومخالف للحياء، أنصح به وبشدة. .

أمينة الصبيحي

نُشرت على موقع  سلفيوم