وحيدا في الخراب.

قياسي

 

كانت تلك الطريقة المعهودة

للذهاب لمسارح المعارك البشريّة

كل واحد، لديه غرفة..

غرفته الخاصّة،

بمسرح معركته الخاصّة.

تتمشّى بين الممرات

بفستانها السمائي الممزّق

وحذاءها الأسود المهترىء

joshua flint

Painted by: Joshua Flint

لايدخل أحد مسرح معركته وهو بكامل أناقته.. “هكذا قيل”.

تشاهدهم وهم ينغمسون في أحزانهم

مسارح المعارك المغطاة بالدماء

وقطع الأحشاء المبعثرة

التي تحجب عنها الطريق أحيانًا.

تمشي وتشدّ على معصمها.

كلما مرّت بأحدٍ يصارع نفسه.

تنظر إليهم والرعبُ يملأ قلبها.

تشاهدهم يسقطون،

الواحد تلو الآخر.

كحبّات مشمش نضجت

حتى تلفت.

ولم يأتِ أحد لقطافها.

مُتجهة لمسرح معركتها

وفي يدها تُمسك ممسحة

وصابون..

وباليد الأخرى

دلو مليء بالماء والمُطّهر.

هكذا تعوّدت.. منذ مدة طويلة

عندما أدركت بأنها الآن لوحدها

تعلمت أن تُنظف مسرح معركتها بعد الإنتهاء،

على غرار الآخرين.

أن تصب الماء القدسيّ

وتمسح الأرض

والجُدران..

وعند الإنتهاء، تغسل وجهها به.

روحها تتجدد

وقلبها يتجدد

ووجهها يتجدد

ونفسها تتجدد

وتخرج،

لتواجه معاركها مجددًا.

مُغلقة الباب بهدوءٍ تام.

تمرّ من جديد من نفس ذات الطريق

تمر بنفس الغرف

بنفس الأشخاص.

بعضهم يتقئ روحه..

“مسكين” تهتف لنفسها.

جُدرانٌ ملطخة.

وصرخات مُدوية، لا يسمعها أحد.

آلامٌ مبعثرة في كل مكان..

تشدّ على معصمها كما تفعل دائمًا

تشدّ حتى تعبر الطريق بسلام.. مرة أخرى.

 

Advertisements

شاعر البرتغال الحزين -فرناندو بيسوا-

قياسي

فرناندو بيسوا..
الرجل البرتقالي الحزين.
مابك؟
إنفصلت روحك عن جسدك.
أمرتاحٌ الآن!
أليس هذا ما أردته طِوال الـ 47 سنة؟
تمكّن منك ثنائي القُطب
وأكلك تشمّع الكبد..

أغنّي قصائدك في أمسيات شعرية
ينبذني الجميع،
لا أحد يريد سماع الوحدة
النحيب
والبكاء
لا أحد يريد قراءة الحزن
الجميع يبحث عن الحُب
يتركونني أغني وحيدة
للجدران، وللكؤوس الفارغة
أقرأ أناشيدك لـ
نوافذ الصيف
و قطط الشوارع..  فتبكي
أجمع المتشردين على حلقة من نار
يستمعون جيدا
لأول مره يصمتون
يبكون،
ثم ينامون في هدوء.. لأول مره.
لأول مره.. لم يسرقني أحد.
إذن..
وجودنا هو المأساة.. أتفق
ولكن.. قل لي ياصديقي
كيف فعلتها؟
كيف فصلت نفسك عن جسدك
حتى أصبحت كالشبح؟
كيف إستسلمت؟
حدثتني جارتك ريتا عن ذلك
قالت: هذا يشبه ألڤارو تماما.
جاري سابقا! يستيقظ صباحا،
بوجه شاحب وينام بوجه شاحب.
يغلي المياه، لصنع القهوة.
ثم يذهب للمقهى لطلب الشاي والكحول.
أناديه من الشرفة:
ياألڤارو العزيز. صباح الخير،
مياهك تغلي وغازك سينفذ.
أحضر لي الخبز في الطريق.
هكذا، كل يوم، وكل صباح“.

حسنًا، أتمنى لو شهدتُّ ذلك..
كنت سأطفئ الغاز بنفسي
وأغلق النوافذ
وأذهب لطلب الشاي بجانبك.
لا أحبّ الشاي!

أيها العزيز.. لما فصلت نفسك؟
كان بإمكانك أن تحيا كالجميع..
كان بإمكانك أن تحبّ القهوة مثلا..
لا أعرف بما أناديك..
ثمانون إسما، وشخصيات كثيرة
لقد أنهكك ثنائي القطب حقًا!
ﺃﻟﺒﺮﺗﻮ ﻛﺎﻳﻴﺮﻭ، ﺭﻳﻜﺎﺭﺩﻭ ﺭﻳﻴﺲ،
فرناندو بيسوا، أم ألڤارو دي كامبوس؟

شاهدة قبر

قياسي

image

أدفن عصافيري الميتة
أمام المنزل
وأضع شاهدا على رأس كل واحد منها
ثم أخذ الأقفاص وأفتحها
أضعها على حافة الشرفة
الكثير الكثير من الحبوب
والماء يتماوج في الإناء
منتظرة إصطياد عصفور أخر
ولكن هذه المره
سأحبسه قليلا
ثمَّ أطلق سراحه.

في الصباح
وجدت عصفورا أزرق اللون
يأكل ويشرب بنهم
وتسألت كم هو نظيف ذلك العصفور!
كم هو عطش ذلك العصفور
كم هو حزين ذلك العصفور.
وآقفلت القفص بهدوء
وإلتفتّ!.

ثم سمعت الصراخ والأنين
تعودّت على الحرية يقول.
سأحررك بعد عدة أيام، لاتقلق
سأموت سأموت.. أخرجيني
وأغلقت الباب ورائي
ونسيته
وتذكرته
وعندما عدت له من جديد
وجدت باب القفص مفتوحا
فتفاجأت.. ربّاه!!
مددت رأسي من الشرفة
لأتتبّع أثره
فلاحظت وجود شاهد رابع
أمام المنزل
وتذكرت بأنني دفنته البارحة
عندما انتابني الغضب من صوته.
الحريّة.. الحريّة.

الجنوبي، لا يُصالح!

قياسي

مرور عامين، كما ذكرني الفيس بوك على قراءة السيرة الذاتيّة للشاعر المصري “أمل دنقل”.
الجنوبي، السيرة الذاتيّة التي خطتها زوجته عبله الرّويني، والتي سردت فيها تفاصيل لقاءهما أول مره، وتحدثت فيه عن أمل الشاعر، الزوج، الحبيب الصديق، والمعاناه التي مرّ بها أثناء مرضه في الغرفة رقم ثمانية.. إلى أن فارق الحياة.
يُذكرني الفيس بوك، بتفاصيل قراءتي لتلك المذكرات، وبأول مره وقعت فيها حبًا لأمل دنقل، أثناء قراءتي لقصيدته الشهيرة “لا تُصالح” التي كتبها عام 1979 إعتراضًا على إتفاقيّة كامب ديڤيد للسلام، بين مصر وإسرائيل.
ما أشبه الأمس بالبارحة!
غادرنا أمل بسلام في 21 مايو عام 1983. جاء ليحارب العالم، وليتمرّد على كل شيء، ولكنّ المرض أهلكه وأخذه منّا مُبكرًا.
الله يرحمك ويغفرلك، ويُحسن إليك.

*
القصيدة بصوت أمل دنقل:

*
مقتطفات قريبة لقلبي من قصيدة “لاتصالح” لشهيد الغرفة رقم 8:

كنت أغفر لو أنني متُّ..
ما بين خيط الصواب وخيط الخطأ.
لم أكن غازيًا،
لم أكن أتسلل قرب مضاربهم
أو أحوم وراء التخوم
لم أمد يدًا لثمار الكروم
أرض بستانِهم لم أطأ
لم يصح قاتلي بي: “إنتبه”!
كان يمشي معي..
ثم صافحني..
ثم سار قليلاً
ولكنه في الغصون اختبأ!

فجأةً:
ثقبتني قشعريرة بين ضعلين..
وإهتزَّ قلبي -كفقاعة- وإنفثأ!
وتحاملتُ، حتى إحتملت على ساعديَّ
فرأيتُ: إبن عم الزنيم
واقفًا يتشفَّى بوجه لئيم
لم يكن في يدي حربةٌ
أو سلاح قديم .
لم يكن غير غيظي الذي يتشكَّى الظمأ.

هاهي الآن صامتة
حرمتها يدُ الغدرِ
من كلمات أبيها!
إرتداء الثياب الجديدة.
من أن يكون لها -ذات يوم- أخ
من أب يبتسم في عرسها.
وتعود إليه إذا الزوج أغضبها.

هل يصيرُ دمي بين عينيك ماء؟
أتنسى ردائي الملطّخ بالدماء؟
تلبسُ -فوق دمائي- ثيابا مطرزة بالقصب؟!
إنها الحرب!
قد تُثقل القلب.
لكن خلفك عار العرب!
لا تُصالح، ولا تتوخّى الهـرب.

قصيدة لـ هانس ماغنوس.

قياسي

🎼
ليس لنا أن نتذمّر
لدينا عمل!.
نحن لانجوع!! نحن نأكل.
العشبُ ينمُو;
المنتج الإجتماعي، الأظافر، الماضي.
الشوارع خالية والنهايات مُتقنة.
وصفارات الإنذار صامتة.
كل هذا سيمضي!.

كَتب الأمواتُ وصاياهم.
وتحوّل المطر إلى رذاذ.
لم يتمّ إعلان الحرب بعد!
لسنا في عجلة من أمرنا!!.

نحنُ نأكل العشب
نأكل المنتج الإجتماعي
نحن نأكلُ الأظافر
نحن نأكل الماضي
ليس لدينا مانُخفيه
لايوجد مايفوتنا
ليس لدينا مانُخفيه.
ثمَّة تنظيم العلاقات؟
ثمَّة غسلُ الأطباق!
وأخرُ حافلة تمر.. إنها فارغة! .
لا يُمكننا أنا نتذمّر! مالذي ننتظره؟

هانس ماغنوس شاعر وأديب، متحدّث ومترجم ألماني. ❤
http://www.dw.com/ar/أفلام-وثائقية-وريبورتاجات-يوم-في-حياة-هانس-ماغنوس-إنتسنسبيرغر-2015-08-17/e-18612101-9799