زحمة.

قياسي

image

في الشارع المزدحم بالسيارات، والمحلات والفوضى.. لا يمكنك أبدا، الجلوس تحت نافذة الغرفة، أو حتى داخل البلكونة، والإستماع لفيروز أو أشرف محفوظ، وشرب فنجان القهوة بطريقة كلاسيكيّة، والتنقّل بين العوالم الخياليّة.. لأنه وبطبيعة الحال، سيقطع تأملك زمّور سيارة، أو صوت لقرقعة سيارة أحد المارّة.. وصوت أم عبدالوهاب، التي تناديه لإحضار كيلو من الطماطم مع البطاطا، وألا يحضر الفلفل الرّومي لأنه غالي جدا.. أحاديث وضحكات الجيران، والأطفال وهم ينادون لبعضهم للعلب، وينضمون أنفسهم للعب الكرة، والأمهات مستودعاتهم لله.. وفي وسط الهدوء المفاجيء، الذي تقرر فيه العودة للإستماع والتأمل في السماء، يقطع هذه المحاولة، إبن الجيران سالم بصوت بكاءه، وهو جالس على كرسي التشاركية، أمام باب العمارة المقابلة، فيسأله احد الشباب عن سبب هذا البكاء.. ليقول له “إنهم وضعوني الحارس، وأنا لا أريد اللعب كحارس، اخاف على نظارتي أن تنكسر، لكنهم رفضوا ذلك، وأخرجوني من اللعبة”. مسكين سالم.. سالم الحول كما يلقبّونه.
لا مكان لفيروز، والموسيقى في هذه الشوارع، لا مكان  لشيء هنا.. سوى رائحة الملابس الجديدة، ورائحة جلد الأحذية، وأصوات الشاحنات الكبيرة المزعجة، والدراجات الناريّة، وحرق عجل السيارات.. والحب العابر بين المارّة، واللقاء الحميم للعيون. هنا فقط مكانٌ لقطط الشوارع، والحمام الذي يمضي وقته باللعب وتجربة أسطح المنازل، والناس الذين ينتظرون هدوء المارّة حتى ينعمون بنوم هنيء، لتقطع هذه النومة، صرخات أحد الشباب المترنّح في وسط الشّارع.. الذين لا ينامون يوم العيد بسبب الزحمة، والأصوات العالية، والملابس الملقاة أمام المحلات حتى الفجر.. الملابس التي توهب للمارّة بأبخس الأسعار. المتعبون، المساكين المرهقين. هنا مكان الفوضى، ترعرت وتربّت هُنا، ولا يمكننا النوم بدونها، والتخلي عنها.