هلوسات خلال إنقطاع التيار الكهربي .

قياسي
image

إفتخري إنّك بنغازيّة

( كل شيء هُنا في بنغازي يثير الغثيان ، الشوارع ، الغاز ، الهواء ، طوابير الخبزة ، الأمل ، الخوف ، الموت ، التفجير ، علبة العصير الفارغة ، الممرات الضيقة ، إشارات المرور ، الأطفال الذين يتجمعون صباحا لللعب بدلا من الذهاب إلى المدرسة ، إنتظار اللحظات الحاسمة ، سقوط الصواريخ ، اللامبالاة إتجاه الرصاصات الطائشة ، العمر الذي يركض أمامنا و لا نستطيع اللحاق به .
كل شيء أصبح مُبهما ، الناس صرعى يواجهون الحياة مغمضي الأعيُن .
إننا في بنغازي ، كذلك السجين الذي يرى من ثقب الجدار الناس يلهون و يلعبون ، و هو يصرخُ للنجدة ، يصرخُ و يصرخ ، بأعلى صوته ، لكنّهم لا يسمعون . لا يأبهون ، و هو مسكينٌ يتخبّط بين الجدران .
أهي لعنةٌ إذًا أن تكون من هذه المدينة ؟
أصبحت هذه المدينة ، منكوبة ، و هي من كانت تفتح ذراعيها المملوءة بالزهور لإحتضان الغرباء وتنسُبهم لها ، و تبكي معهم . هذه المدينة أصبحت تلفظ من كانت تظنهم أبنائها للخارج ، تودعهم بدموعٍ حارّة ، ترثي نفسها ، و أرضها ، شوارعها و كل زاوية منها ، تحدّث نفسها ” أحببتكُم أكثر مما ينبغي ، و أحببتُوني أقلّ مما أستحق ” ، بنغازي أصبحت ضيقة ، ضيقةٌ حدّ الإختناق . ! )✺

هذه الكلمَات و العياذ بالله ، كُتبت في لحظات من إنقطاع التيار الكهربائي ، في أجواء باردة جدا ، و الكره الذي يملأ بعض الأسطر ماهو إلا حُبٌ ولكن بطريقة ما خاصة .

Advertisements

نعم ؟

قياسي

تنتشلُني فجأة . من بين كومة الجموع الحاشدة .
تدخُل فجأة . تخترق الجدران الصلبة .
تنتزع الشباك .
أثار أقدامك مغروسة في الأرض .
تصرخ بإسمي عاليًا . بأعلى صوتك .
تصحبُها بـ أين كنتِ ؟ أين أنتِ ؟
هكذا ! فجأة ، بدون الإحّم أو التستور .
هكذا ، بنفس الأسلوب العالي ، الصراخ ، الهذيان ، الخرطقات ، تدخُل فجأة .
بأوراقك ، بشروطك ، بتحذيراتك ،بمزاجيتك ،بعصبيتك ،بغبائبك ، بدهائك ، بقميصك الأسود ، بـ يداك الطويلتان ، هكذا ، فجأة .
تطرحها على الطاولة ، أوراقك ، تطرحها كلّها ، بنظرةٍ حادة ، تقول :
هل تقبلين .
كيف لي أن أقول غير كلمة ” نعم ” .

من الليل للليل !

قياسي

من الليل للليل ! و كل شخص في هذه البُقعة ينتظر سقوط شيء ما في شارعه .


ولكأنّ الإيمانيّات لا تنزل إلا وقتَ المِحن ؟

 
واحد , إثنان , ثلاث , أربع … أصبري ! .. خمسـه ! وبصوتٍ يمتلأ بالراحه , و بإبتسامةٍ صفراء , و تنهيدةٍ طويلة , ننتظر .

” اللهمّ إحفظنا عن يميننا و عن شمالنا ومن فوقنا ومن تحتنَا و أعوذُ بعظمتكَ أن يغتال من تحتِنا “

هكذا نمضي بعض ليالينا في عد الصواريخ المُنهمرة في الليلةِ الظلماء , و في تحليل الوضع العسكري , و لعن حظّنَا !

إلى متَى ؟
كيف لهم أن يروا بعضهم ليلًا ؟
لماذا لا يتركونا نرتاحُ قليلًا ؟
كيف وصلنا لهذا الوضع !؟

تقُول :
إنها ليلة سقوط غرناطة .
في الليلة الأخرى إنها ليلة سقوط بغداد .
و من بعدها إنها حتمًا ليالي النوق البيض* .
ثمّ تحدثُنا عن ذكرياتها , وعن ما حدث أيّام الغارة .

هي ليلةُ عابرة , كأخواتها من الليالي السابقات
ليلةٌ من الليالي الحالكاتِ سوادًا
يتوسطها قمرٌ مُنير
الليالي المُمتلئاتِ صراخًا
فزعًا
خوفًا
و رُعبَ

هنيئًا لمن نام قبل أن تُفزعه الأصوات
و ويلٌ للأحياء الأموات
تجرفهم خيالاتهم في منازلهم وراء الرصاصات
و تأخذ بأيديهم من هول المشهدِ بعض الدعاوات .

/

أذكر مشهدًا إخباري عن إمرأة أوكرانيّة نازحة , تبكي وبحُرقة قائلة بأنّ حفيدها ذا الخمس سنوات بدأ يميّز أصوات الأسلحة .
أضحكتني كثيرًا , ثمّ تذكرّت أطفالنا .

يالتعاسة الإنسان , يا لتعاسةِ حظّنا و يا لتعاسةِ أرضنَا , و يالتعاسةِ العالم أجمع ! .


* النوق البيض مسلسل أردني قديم .