في الترجمة.

قياسي

لا يوجد أفضل من الأدب الكلاسيكي، الحق يُقال.. فكلما قرأت رواية قارنتها لا إراديا بما قرأته سابقا وهو القليل جدا من الأدب الكلاسيكي، الذي كلما أستذكر أحدهم إسم رواية ما منه، ارتسمت على شفتي إبتسامة، تذكرني بمتعة قراءته التي لا تُمل.

وأعزو جماله لأولئك الذين ترجموا لنا كلماته بحروف من ذهب.. الذين غابوا عنا وتركونا وحيدين في أيدي لم يعرف بعضهم أن يوصل لنا الكلمات بالطريقة الملائمة.
اليوم، لاتجد الكثير ممن يعرفون أن يترجموا ماكتب بطريقة تسحرك وتأخذك إلى هناك، إلى العالم الذي يتحدث عنه الجميع، ولم يصل له إلا القليل.
ما أسوءه ذلك الشخص الذي يترجم لك الكلام بالطريقة الجامدة، وكأنك تقرأ في جدارٍ مصمت! وهل يُقرأ الجدارُ المصمت؟.
منذ عدة أيام قرأت ديوان، للشاعر الروسي أوسيب ماندلشتام والذي ترجم ديوانه د.برهان شاوي وأحسن ترجمته، حتى أنني عندما أنهيته قلت في نفسي “لترقد يا أوسيب حيثما كنت بسلام، فشعرك لازال بأمان، وكلماتك لازالت تصدح كما هي تماما، كما كتبتها في قلبي، وبسبب د.برهان لن أنساك.
شكرا من القلب لكليكما.“
لا يستطيع الكثير أن يترجم الشعر بالطريقة المناسبة، أحيانا قد يوصل لقلبك قصيدة أو إثنان أو حتى ثلاثة ولكنك على الأغلب ستجد قصيدة ما، لن تستطيع فهمها وهي أحيانا تكون العائق بينك وبين الديوان، تشعر بجزء صغير فارغ في رأسك، يريد توضيح كامل لما حدث معك! تشعر أحيانا أنك تريد أن تتصل بالمترجم، لتعقد معه جلسه تناقشه فيها على ماترجم وكيف لهذه القصيدة لم تصل لقلبك؟..
أما بالنسبة للدكتور برهان فقد كانت بيده
عصا سحرية، حتى أنها جعلت من الديوان خالصًا.. تامًا، كاملا.. ولايحتاج للزيادة.
ويستحضرني أيضا الزيات له قدرة هائلة، وللمنفلوطي رغم أني لم أقرأ له إلا بعض الإقتباسات.
عودة لأحمد حسن الزيات، الذي ترجم “آلام ڤرتر“ كـ مقطوعة موسيقيّة، و “رفائيل“ كـ لوحة من لوحات ڤان جوخ!.. وفي نفسي، ما إن أنهيت قراءة ماترجمه وددت لو أرسل له كل كتاب تُرجم بطريقة سيئة، لنجلس مع بعضنا البعض ونبكي لما حصل من تشويه جسيم، وأن أشتكي له مايحصل الآن من الكم الهائل من المعاناة والبحث عن المترجم الجيد لكتاب واحد ترجمه العديد العديد.. هذا ماحدث معي عندما قرأت لكافكا.. سيء للحد الذي لايُطاق.
كما أنني سأعاتبه أيضا عن قلّة ترجماته، وأحكي له عن قصتي عندما قرأت آلام ڤرتر أول مره وقلت “يالله.. كيف لشخص أن يترجم بهذه الطريقة الجميلة، كيف لشخص يجعلني أطفو فوق السحاب؟ ماهذا الجمال ماهذا الحب!“.
وأخبره بأنني أشعر بفراشات في معدتي كلما ذكرت إحدى رواياته المترجمه وبأنني ما إن أنهيت آلام ڤرتر حتى بحثت له عن مترجمات أخرى وياللأسف الشديد، لم أجد إلا رفائيل التي قرأتها مره وعدت لقراءتها مرة ثانية، سُحرت بفرنسا وجمالها وودت أن أجهز حقائبي وأسافر هناك فورا، وأجلس على سفح الجبل وأبكي كلا من جوليا ولامارتين..
وأتسائل أحيانا إذا ما أنهيت كتابا ذا ترجمه سيئة للغاية، ألا يوجد مكان أذهب لأشتكي فيه من المترجم ليعاقب ربما لتدنيسه كتابا ما؟
أو مكانا يكرم فيه المترجم الذي يعزف لنا مقطوعات موسيقية بدلا من الكلمات وأن يُعطى وردة، وقبله على الجبين؟
للمترجم قوة عظيمة بين أصابعه، إن أحسنها وجد من يحبه، وإن لم يحسنها وجد من يلعنه ليلا نهارا على تلك الجريمة التي إرتكبها بحق الكتاب.

Advertisements