معلقا فوق شجرة -قصة قصيرة.

قياسي

*معلقًا فوق شجرة.

 

في كل مساء أرقب قلبي المعلّق على الشجرة، منتظرة أن يقطعها شخصٌ ما.

كل يوم أمر بجانب تلك الشجرة، هي كقلبي تماما، صغيرة ويابسة وحيدة ولديها من الجذور الطويلة مايكفي لإحتضان حيّينا بالكامل، ولكنّي أنتظر.

ذات مساء تسلقتها، وأردت أن أعلق نفسي بجانب قلبي لأؤنس وحدته.. باءت محاولتي بالفشل، الحبل إنقطع وسقطت على الأرض، وشعرتُ بالبرودة في أطراف أصابعي، وقدماي تنغرسان في الإسمنت الرطب وعيناي المغطيتان بالورق الخريفيّ اليابس، لم أعد أرى شيئًا، وإختفت الرؤية، وماعدت أستطيع رؤية قلبي، رُبما –أقول لنفسي- سقط قلبي معي وجلستُ عليه! فرحت.. ولكنّ الأوراق سقطت من على عينيّ ولمحته في الأعلى، وأنا ذاهبة إلى المستشفى، أولوّح له بيميني ويسألني الرجل لمن أولوّح؟.

 كان يرمقني بنظرة خُبث وحُزن، ماعدتُ أدري! أهو حقا حيٌّ أم ميّت؟.. هل أعيده أم أتركه هُناك معلقًا ليلقى حتفه؟!.. أحتاج حقا لشيء يعيد الحياة لهذا القلب التعِب!.

أولوّح لقلبي –أقول لغريب-

فيهزأ بي ويمضي.

*

عندما أستيقظ صباحا وأفتح عينيّ، أدرك مدى فداحة الخطأ الذي أرتكب لإحضاري هُنا!

“أنتِ غلطة” هذا ما أسمعه كل يوم منها.

أعيش في منزل عمتي، التي عانت منّي الكثير، تلوم الخالق لإحضاره لي على هذه الأرض، وتستغفر ربها.. وتعتذر منه، ثم تسبنّي وتطردني للخارج..

“أنتِ كرة عفِنة صغيرة مليئة بالعقد والأمراض النفسيّة” تقول عندما تفتح الباب لي للخروج.

 كقطّة لا تملك مأوى ككلب ضائع بين الأزقة، وكأطفال الشوارع الذين لايملكون منزلا يمكثون فيه، يقفون على الرصيف وبين إشارات المرور يبيعون الورد والمناديل المليئة بالدموع والخطيئة.. أترنّح أنا.

*

الصباح/المساء/الظهر/العصر/العشاء/المغرب.. الفجر!

أوه أكره الفجر، أكرهه كثيرًا!.. ولدت عند الفجر تقول عمتي، وعلى لسانها دائما ماتنقل لي كلام والدتي.. أقصد المرأة التي أخطأت يوما وحملت بي تسعة أشهر ولم تفكّر لوهلة من الوهلات بأن تسقطني في بئرٍ ما، أو في حوض الإستحمام مثلا لتقتصر عليَّ كل هذه المعاناة والعذابات التي أقاصيها الآن!.

“ترك والدك والدتك في ذلك اليوم، عندما علم بأنها ستنجب فتاة، قال بأن ظروفه صعبه جدا، ولايمكنه تحمل نفقة طفل أخر.”

هذا يعني بأن لي إخوة؟

نعم، لكنه أخذهم معه..

أين هو الأن؟

لا أحد يدري.

وأمي؟

عندما أنجبتك قالت “الأن أنا لستُ وحيدة” لكن في ذلك اليوم كان البرد قارسًا، كنت أنا وهي فقط في المستشفى، القمر غائب ولا أحد في المدينة، ويُقال بأنه ستقوم مجموعة من العصابات بمداهمتها، ولكننا لم نستطع الخروج، وبقينا.”

أكره المدينة!.

“أصابتها الحُمّى بعد ولادتك بعدة أيام، لم تلبث أن تلتقط أنفاسها، حتى فارقتها الحياة عند فجر الرابع عشر من ديسبمر.”

 حسنًا..

نسيت.. أكره ديسمبر أيضا.

أنا الآن وحيدة، ولطالما كُنت كذلك، وقد كُنت أشعر بذلك في قلبي العجوز الذي علقته على جذع الشجرة ذات يوم.

ثم يفاجئني مجيء ذلك الغريب الذي يحوم حولها كل يوم، يقف أمام الشجرة وينظر لأعلاها ثم يَمضي.. فرحت.. إنه الرجل الذي سيقتلع الشجرة ويأخذ قلبي معها. ولكنّي تفاجأت بأنه يريد تعليق قلبه أيضا.

حاولت منعه كثيرًا، ولكنه رفض وأبعدني وأخذ يصعد الشجرة والحبل في يده، وأنا أصرخ وهو لايسمعني أبدًا.. إلتفت لإحضار أحد لمساعدتي ولكن عندما عدت رأيته يتدلّى من الأعلى بجانب قلبه.. فصعدتُ وجلستُ بجانبه وإحتضنته.. متأخرًا.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s