غياب

قياسي

🔖

قبل أن يغادر زوج خالتي ليقتال في ميدان الحرب، ترك لها ورقة عشرة جنيهات فقط ورسالة بخط يده السيء “لم أعد أحتمل، سأغادر ولا تنتظريني”
كان دائم الحديث عن الحرب، والوطن والموت والحب.. آه كم هو غبي!.
إنتقلت خالتي للعيش معنا، كنت أنا وأمي فقط فوالدي كان قد فارق الحياة منذ عدة أعوام، تقول والدتي بأنه في يوم ميلادي تم تشخيصه بوجود ورم صغير في دماغه، لا يمكن إزالته، وسيكبر معه إلى أن يغادرنا.
كبر الورم، ولكن بسرعة غير متوقعة، وفي عيد ميلادي الرابع عشر، غادرنا.
لم أستطع الإحتفال بيوم ميلادي منذ ذلك “النهار المشؤوم” كما تصفه هي.

بعد عدّة أشهر من إنتقالها معنا، وصلنا نبأ وفاته، جاءتنا إحدى السيدات، تنسب نفسها لمؤسسة لم أسمع عنها من قبل، جالبة معها صورته وأخبرتنا بأنه قد فارق الحياة، وهو يُقاتل.
“زغرتي”
تسمرّت ولم تنبس ببنت شفّة، شحب وجهها ودخلت لغرفتها في صمت.
هي قوية جدا، لم تبكي أمامنا ولطالما كانت متماسكة، والنساء يبكين ويعزينها وهي تنظر إلى الحائط، قالت أمي بأنها ستتعوّد، وحتما ستبكي في أي لحظة.
ثمّة بركان وراء كل هذا السكون سينفجر عما قريب. مرّت أشهر على وفاته ولم تكن تقل إلا القليل.. “أنتِ لا تفهمين”.. “تركني من أجل الوطن!”…ثم تصمت وتبدأ بتلمّس حلقها “ثمة شيء عالق هنا، يضايقني كثيرا”.
تقوم بقراءة الرسالة كل يوم قبل أن تنام، ثمّ تُقبّل العشرة جنيهات وتضعها أسفل مخدتها وتغلق عينيها.
لم تطمئن أمي لحالتها، وعندما أخذناها للطبيب، أخبرنا بوجوب بقائها في إحدى المراكز النفسيّة، فهي تعاني من إكتئابٍ حاد لـ مابعد الصدمة.

مرت الأشهر وحرصت والدتي على زيارتها كل أسبوعين، تقوم كذلك بتجهيز كل شيء تحبّه، لكي لا تُشعرها ولو لـ لحظة بالتقصير إتجاهها.

“تغيّرت كثيرا، أصبحت تنهرني كلما قمت بزيارتها”
“البارحة عندما فتحت الصندوق، ألقت في وجهي الملابس، وطردتني”.
-هل بكت؟
“لازالت متماسكة”
ماهو شكل ذلك البركان الذي يختبيء وراءها، عام مضى ولم تتأثر بأي شيء!.

في 12 من نوڤمبر مساء يوم الإثنين.. لازلت أذكر.  إتصل أحد العاملين في المركز بأمي، ليخبرها بخبر إنتحارها.
“إستيقظنا الساعة التاسعة صباحا على صوتها وهي تبكي في غرفتها، حاولنا تهدئتها ولكنها إستمرّت في البكاء، وكانت تهذي بأسماء كثيرة.
الساعة الثالثة عندما أعدناها لغرفتها بعد حقنها بمهديء، أخبرت الممرضة قبل أن خروجها بأنها تشعر بأن هنالك شيء ما عالق في حلقها يضايقها، ويجب عليها أن تتخلص منه.
ظننا أنه من كثرت البكاء، ولكنا كنا مخطئين..
عند الساعة الثامنة، مزقت جزءا طويلا من معطفها التي ترتديه، وخنقت نفسها.. بيديها.
وصلنا متأخرين جدا، كانت قد فارقت الحياة فعليا بوجه أزرقٍ شاحب”.
أقفلت أمي الهاتف، ولم تنبس ببنت شفّة ثم قالت
“أصبحت وحيدة”.
وقفت وأكملت باقي عملها في المنزل.

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s