فتاة الفُقاعة . ( قصة قصيرة )

قياسي

(1)
كنت صغيرة عندما أخبرتني أمي أن البشر ينقسمون إلى قسمين , قسمٌ يسكن الخير فيهم وقسمٌ يسكن الشر فيهم.
كُنت صغيرة عندما أخبرتني أمّي بأننا من أولئك الذين يسكن الخير فيهم .
بعد أن أتممتُ عشائي , قالت لي أمي بأنها تريد أن تُحدثني في أمر مهمٍ للغاية , صعدتُ للغرفة لأتجهز للنوم , وجلست أمّي على طرف السرير , نظرت إلى عينايَ بحدّة ، ” سيحاولوا كثيرا أن يحدّونك عن خطّ السير , سيجرّونك نحوهم , لا تخنعي لهم , لا تكوني كالذين تحولوا و أصبحوا أشرارًا , فظّين , سيئي الخُلق , ظنا أنهم سيعيشون أكثر ”
– من هُم يا أمّاه ؟
” سيقولون لك , لن تستطيعي النجاة في هذا العالم مالم تكوني منهم , سيقولون لك لن تستطيعي أن تفعلي شيء , لن تستطيعي أن تعيشي بدونهم , سيُعلمّون على قلبك , سيرمونك بالأحذية و الطماطم ”
– من هُم يا أمّاه ؟
” سيحاولون وبشدة أن يعلمّوا على قلبك الصغير , سيتركون أثرا أسود في ذاكرتك , سيرحلون عنكِ فجأة من دون سابقِ إنذار ”
” وأنا لكي أحميك منهم صنعتُ لك فقاعةً تحميك منهم , ستكبر هذه الفقاعة معك , لن تريها , ولن يراها أحد إلا أنتِ , ستستطيعين أن ترين وجوه الناس خلف الجدار الشفاف , يتحدثون كالمجانين , ويتصرفون كالمجانين , سيمّلون عاجلا غير آجل , ومن ثمّ يرحلون , لكنك أنتِ من ستبقين ”
” النّاس مجانين , متوحشّين , جشعين , لا تأمني لأحد ”
– من هُم يا أماه ؟

(2)
كُنت صغيرة عندما توفيّت أمّي .
إستيقظتُ ذات صباح , و مررتُ بجانب غرفتها , مستغربةً تغيبها عنّي هذا الصباح , وجدّتها مستلقية على فراشها , شاحبة الوجه , نظرتُ لها , ونظرت لي بعينيها الجاحظتين , أذكر أخر ماقالته لي ” لا تأمني لأحد , لن يحبّك أحد مثلما أحببتُك أنا”.
دلفت جدتي للغرفة بصحبة رجل يرتدي معطفًا أبيض , يدعي أنه طبيب , أخذا يتهامسان وينظران إليّ , لا أستطيع سماعهُما جيدًا , صوتُهما بعيد , يرفعَان شفتيهِما كإبتسامة , لكن ثمّة شيء حزينٌ يسكُن مقلتيهِما . أوجّه نظري ناحية أمي , ساكنة لا تتحرّك , نائمة كملاكٍ جميل .
– من هُم يا أمّاه ؟
أخبرنا الطبيب بأنّه يتوجّب علينا أن نخرج قليلًا , جلستُ وجدتّي أمام الغرفة , تحتضنني جدتي بقوة , و أنا مصوّبةً نظري ناحية الرجل الغريب , واضعًا يده على جبين أمّي .
شعرتُ بأنّ ثمّة خطبٌ ما , ثمّة رجل أخرٌ غريب يدخل للغرفة , وقف أمامي ومنع عنّي الرؤية , لحقه رجل أخرٌ غريب ! يا إلهي مالذي يحدُث ؟ …
” لكِ حُريّة إختيار طريقةِ الموت , إمّا أن ندعهَا هكذا حتّى تذُوب عظامها وتفشل أعضائها الداخلية شيئا فشيئًا , أو أن نرحمها , ونحقنها بمُنوّم ثم نضع لها السمّ في الجهاز المتصّل بها ”
بدأت جدتي بالبكاء , و حملتني للغرفة
” لا تخرجي منها , هل سمعتي ”
” ولكن لماذا تبكين يا جدتّي ؟ ”
أقفلت الباب وخرجت , بعد عدة دقائق فتحتُ الباب ونظرت , وجدتها واقفة تتحدث مع الرجل الغريب ذو المعطف الأبيض , ومن ثُمّ دخلا للغرفة , و غابا عن النظر .

(3)
كُنت صغيرة عندمَا تُوفيت أمّي .
إستيقظتُ ذات صباح , ووجدتُ جدتي جالسة على الكُرسي , بجانب سريرها , تنشُج والدموع الحارّة تتساقطُ على خدّيها .
جدتي إختارت طريقة موتِ أمّي , إختارت لها الطريقة السريعة , أيُعقل أنها كانت تريد التخلّص منها بكل هذه السهولة ؟ أسيأتي عليّ يوم يُخيّرني فيه أحد طريقة موتي ؟ …

“تمّ تشخيص المريض الوارد إسمه أعلى التقرير , بتعرضه لإشعاع خطير ZN1X1
أثناء قيامه ببعض التجارب الإشعاعيّة في المعمل , ومالم يكُن يعلمه المريض , أنّ هذا الإشعاع يفتُك بالعظام , ويذوبها شيئًا فشيئًا , يُصاحب هذا فشل بعض الوظائف الحيويّة في أجهزة الجسم . حيث يواجه المريض الموت , ولكن ببطئ ”
” إسم المرض : مجهول .
المسبب للمرض : التعرض لنوع من أنواع الإشعاعات الخطيرة جدا.
سبب الوفاة : الإشعاع المذكور أعلاه , و كما طلبت والدة المريضة , حُقنت الأخيرة بمُنوّم حتى نامت , ومن ثمّ تمّ حقنها بِسُمٍ قاتل ”

مابالُ هذه العجُوز تبكي وهي من قتلتها ؟

(4)

لم تُعطني جدتي فُرصة أخيرة مع أمي , كأنّي لم أكن موجودة في المنزل , أخذتها من بين يدي كأنها ملكٌ لها هي فقط , لم تُعطني الفرصة لأتحدّث معها و أسألها عن أولئك الذين كانت تخبرنني عنهم سابقا ؟ , أخذتها منّي بلمحِ البصر .
لازلتُ أذكر ذلك جيدًا , كانت نائمة على فرشتها , وتلك العجوز تبكي , وتنظر إليها , كانت شاحبة جدا , عظامها ملتصقة بجلدها , حالها يرثي , يقطّع القلب والأوصال , باردةً جدا , و العجوز لازالت تبكي .

(5)
الجنازة الأولى التي أحضرها في حياتي , كانت لأمّي , تجلسُ جدتي على ذلك الكُرسي الرث , هي دائما جالسة , لا تقوم بعمل أي شيء , تأمر وتنهى , لم تُخبرني أمّي بأن الشر المُستطير يقطن معنا في المنزل ! … عتبِي عليكِ يا أُمّاه , تدخل النسوة ويبدأن بالولولة والبكاء , يحتضنّ جدتي ويبكين مع بعضهن , ثم يتوجهن إليّ ويبدأن يرمقنني بالنظرات الحزينة ” يالها من مسكينة ” , ” لازالت صغيرة ” , ” خلفّت لك طوال العُمر ” , ” حرام ” … ثمّ يخترقن فقاعتي بكُل وقاحة ويبدأن بتقبيلي , واللعاب يملأ وجهيَ الصغير , ويحتضنني , ويعطينني بعض الحلوى , أو المال , حصلتُ على الكثير من المال طوال تلك الأيّام السوداء , أصعدُ إلى الغرفة و أضعها في برطمانٍ صنعته خصيصًا للإحتفاظ به .
جدتي رأت ذلك البرطمان , وأخذته منّي , قالت بأنّ المال يجب أن يكون عند الكبار , ناهيك عن أن الدخل أصبح قليل , ولا يسعُ لنا , ويجب علينا أن نقتصد بقيّة العُمر .
لا أدري عن ماذا تتحدث تلك القاتلة !, نحنُ إثنان فقط ، ولسنا عشرة .

(6)
أمضيتُ حياتي مع جدتّي , ذهبتُ للمدرسة وتعلمتْ , وبقيت ملتفّة في فقاعتي داخل وخارج المنزل , أمضي الكثير من الوقت وحيدة , وإن أردتُ أن أسعد نفسي , أتوجّه لمكتبتي وأبدأ بقراءة إحدى الكُتب , كل الكُتب مقروءة , وكُلها أُعيدت قراءتها , ولكنّي لم أكن أملك المال لشراء كتبٍ جديدة ! .
أنا بحاجة ماسّة للمال , جدتي لا تُعطيني أيّاه … أيجب عليّ أن أنتظر وفاتها لكي أحصل على المال ؟!.
على كُلِ حال , تعودتُ الوحدة , وبدأ الأمر يُسعدني , أجلس في الساحة وأرى وجوههم تنظر إليّ , يحملقُون فيّ , يسخرون منّي , يتحدثون و يقهقهون , وأنا لا أسمعهم , لا أعلم مالذي يقولونه ويفعلونه ! , أجلس وراء فقاعتي , مُحتميةً بها , أرى جدتي تصرخ في وجهي , جارتُنا تتحدثُ إليّ وتضحك , تلك الفتاة تقف على الكرسي الخاص بي في الصف , تنظر إليّ تُتمتم ثمّ ترحل , تبتسم كلما رأتني , ولكنني لا أعبء بها .
أحد الفتيان في الصف السادس أعطاني رسالة ,  لم أخبر جدتي بالأمر , ولكنّي أخبرتُ أمّي طبعًا , عندما كنت واقفةً في طابور الحمّام , إقترب منّي وإخترق فُقاعتي , شعرتُ بالفزع ظننتُ أنّه يريد ضربي , ولكنه أعطاني رسالة , وقال لي إقرئيها … نظرتُ للرسالة ونظرت له ” تُريد أن تُحطّم قلبي ؟ ” ومن ثمّ مزقتها , كانت وجوه الفتيات غريبة , يبدو لي أنهن كُنّ يضحكن و هو واقف أمامي , ينظر من حوله , وعيناه تمتلأن بالماء .

(7)
يمكنُك وبكل بساطة أن تشتم رائحة الموت , عندما تقف على حافة باب المنزل . توفيت جدتي , نتيجة مرضٍ أصاب كبدها , قال ذلك الرجل الذي يدّعي أنّه طبيب ” جدتك أصيبت بتشمّع الكبد , ولم نكتشف الأمر إلا في مراحل مُتقدمّة , لم يكُن بوسعنا أن نقاومه ونعالجه , إلا بزراعة كبد , ولم نجد متبرعًا . ”
” هل قالت لك شيء ؟ ”
” لا لم تقُل ”
” حسنًا ”
دُفنت جدتي , وعادت النسوة يولولن في المنزل , ولكن بعدٍد قليل هذه المرّة , أكره الجنازات , يضيقُ صدري كلما رأيتُ جنازةً أمامي , النظرات البائسة , الدموع الزائفة , الطعام الجاهز , الملاعق , الصحون , المناديل , الأجواء الغائمة , كل هذه الأشياء تجعلني أمقتُ الجنازات .
توفيت جدتي ولم أذرف دمعًا , جلستُ على كرسيها , وبدأت أنظر من حولي , أرى النسوة يتمتن , وكأنّهن يتفقنّ على شيء ما ؟ يبدو لي أنهنّ يردنّ أن يمدنّي بالمال ؟ أنا بحاجة ماسّة له ! … أيجب أن أعود صغيرة ليشفقن عليّ ويعطنّي بعضا من المال ؟ … يا إلهي أراهنّ يقفن ويتوجهنّ إلى الباب , يودعنني بقبلٍ طائرة , لا إلى أين ؟ … المال ؟ الحلوى , أرجوكنّ .!

(8)
ها أنا هُنا , أقفُ خلف النافذة , أراقب المارّة , أعيشُ على ماتبقّى لي من معاش أمّي , المنزل فارغٌ بارد , لا يُوجد به أحد سواي , فقاعتي ومكتبتي , والناس خلف النافذة يتشاجرون ويصرخون , يضحكون , وتلك الفتاة في تلك الزاوية تبكي ؟ لا ! تضحك ؟ لكن الدموع التي تنزل من مُقلتيها ؟ .
ليت أمّي هُنا , ليت جدتي أمهلتني قليلا من الوقت للتحدث معها , ليتها أخبرتني عن أولئك البشر , ليت هذه الفقاعة تنفثأ وتزيح عنّي هذه الهواجس , ليتني أجد المال الكافي لشراء الكُتب , ليت جارتي تكفّ عن طرق الباب وإحضار الطعام لي , ووضعه أمام باب المنزل , أنا لستُ سجينة , أنا لستُ مجنونة , أنا لستُ خائفة .

Advertisements

8 رأي حول “فتاة الفُقاعة . ( قصة قصيرة )

  1. فقاعة تنتمي الى امي ، تحمل لي مروج الخير وتحتضنني ، فقاعة امي الطيبة ترافقني كشبح للخير يحرسني ببسالة الفرسان ، فقاعة أمي تتملكني تعطيني أملأ وحياة .
    جميلة جداً موفقة

    Liked by 1 person

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s