وداعًا ” علي محمد الجعكي “

انتقل إلى جوار ربّه الأعلى “علي محمد الجعكي” في الواحد والعشرين من أغسطس من عام ٢٠٢١.

ولمن لا يعرف من هو “علي محمد الجعكي” فهو أحد قامات القصة القصيرة في ليبيا.. ابن مدينة الخُمس، الذي لايعرفه أحد من حولي.

وجدت أمي كتابه بين مجموعة كتب، أحضرتها لي كطفل يتيم وجد على باب جامع. قالت لي: أمينة، احضرت لك كتب جديدة.. أمينة، هل تقرأي الكتب التي احضرها لك؟.

لم أكن أقرأ الكتب نظرا لإنشغالي، ولكني التقطت “سر ماجرى للجد الكبير” لصغر حجمه وسهولة اخفاءه بين أوراقي الدراسية.. وبدأت قراءته في فترة انشغالي بالدراسة.

عام ٢٠١٧، لازلت أذكر أول ملامح الدهشة التي ارتسمت على وجهي من أول صفحة وأول سطر. وما حفرته قراءتي لحالة تلبس داخل رأسي.

أنا، تحدثت عن حالة تلبّس كثيرًا، وأخبرت الجميع بأنها أفضل قصة على الاطلاق، لكن حقيقة.. ثمة قصّة تسكن ببراحٍ في قلبي، قصةٌ.. ممم أقول عنها بأنها قصة شجاعة.. هذا الكاتب شجاع.. من هو؟ كيف لم أسمع عنه مسبقًا! كم خجلت من نفسي.. ولما أتذكر سيلفيا بلاث في كل مرة أقرأ فيها قصته “الشاطىء الأخر” ؟.

إنه الموت، قصة كاملة عن الموت.. يصور فيها الجعكي مشهد موته أو موت القاص.. لا أعرف تحديدا. ولكنّه مشهد دقيق.. مفصّل، أحاول الهروب منه وعدم التحدث عنه، كلما سألني أحدهم عن قصتي المفضلة في الكتاب.. أو كلما سألت نفسي عن قصتي المفضلة في الكتاب. فلا أحد يسألك عن قصتك المفضلة ل علي محمد الجعكي.

قرأتُ خبر موته صباحًا.. في تعليق على منشور لي على الفيس بوك، أبحث فيه عن مجموعته “أموت كل يوم”. لم أجدها حتى الآن.

“يا لهذا الزمن الرديء المهلك!”

نص من قصّة “الشاطيء الأخر” المشهد الأخير:

” ضوضاء محببة تعم الشاطىء.. ”

رجل شجاع نبيل، وصف حالة الموت بدقة متناهية.. لا ترى الموت في كثير من الكتب.. أقصد مراحل الموت.. أو مايشعر به الميت. مالذي شعر به الكاتب أثناء كتابته للقصة؟.. انه أمر خانق حتمًا.

قرأتُ الكثير من الكتب، لكن لم يمر وصف مراحل لحظات الموت الا عند سيلفيا بلاث “الناقوس الزجاجي” عندما دونت لحظات انتحار البطلة. والإن، الجعكي.. في الشاطىء الأخر. كان يعرف بأن لقاءه مع جدته يعني موته.. لكنّه فضّل ذكر ذلك بتفاصيل دقيقة.

يا له من رجل شجاع. لم يهرب من الموت.

رحم الله علي محمد الجعكي رحمة واسعة، وجزاه الله خيرًا عن كل حرف كتبه وأمتعنا به. وليخلّد أسمه كأحد أفضل القصّاص الليبيين وإن لم يكن أفضلهم جميعا.

قراءة: لا أحد يملك الوقت في بلاد العجائب.

هل من الممكن أن يموت شخص بسبب نقص حاد في الكلمات مثلا؟ أو بسبب الإستخدام المفرط بشكل سيء لها؟ أن يختنق مثلا، أثناء غضبه وصراخه المستمر، أو أن يولد بمخزون محدد لعدد الكلمات المستهلكة.. مثلا. كل هذه أمثلة وفرضيات مقلقة.

آليس في بلاد العجائب:

تمثّل الفضول المباغت في شكل أرنب مرتديا بزة وممسكا ساعة، حرّك الصغيرة التي تتسائل وتفكر بشكل مستمر، إلى أن أسقطها في حفرة.

هُوّة، كانت تسقط أكثر فأكثر.. فأكثر.

لم تُمانع “آليس” سقوطها داخل جُحر الأرنب، بل على العكس، إستمتعت بوقتها ولم تكن على عجلة من أمرها. على عكس بلاد العجائب التي وصلت لها، فالجميع هناك لا يملك الوقت، بل الوقت يملكهم، بالشكل الذي يجعلك تخاف من إنسيابه بين أصاعبك وألا تنتبه له. الأمر مخيف حقا.

أنت الآن في بلاد العجائب، تركض مع الصغيرة، تخاف من المجهول “الوقت” وتبحث عن لا شيء.. لكنّه الفضول.

بدءا من الأرنب الذي كان على إستعجال ليلحق بالموعد مع الدوقة، مرورا بالحيوانات التي إلتقتها في طريقها والتوأم.. وصانع القبعات. أوه، صانع القبعات.. وحتى الملكة.

مشت آليس، حتى وصلت إلى طاولة صانع القبعات بأعجوبة، لا تستغرب هذا، فاليوم كان كله مجرد أعجوبة. كانت الطاولة كبيرة، وتحيط بها كراسي كثيرة، لكنّ ولأن الجالسين عليها لم يكن لديهم الوقت لإستقبال ضيوف جدد، حاولوا إبعاد “آليس” قدر الإمكان عنها، لكنّ الفضول، مُحركها، لم يجعلها تغادر المكان حتى تجلس على الطاولة وتشرب الشاي معهم.

في الحقيقة، حاولت… ولكنّ الفوضى التي تعمّ المكان عكّرت عليها صفو شُرب الشاي.

على الطاولة حلقة مستمرة من شرب الشاي. فالساعة تشير دوما إلى السادسة، موعد شرب الشاي كما قال لها صانع القبعات. مضت آليس في طريقها بعد لقاءها الغريب معهم، لكّن الحفلة إستمرت من خلفها.

ساورهم الفضول قليلا لمعرفة قصة الصغيرة، لكنّ الوقت يملكهم أيضًا، ولم يسعفهم لمعرفة ما وراءها.

يحجز الوقت صانع القبعات، وأرنب مارس الوحشي ومعهم فأرهم الصغير على الطاولة، في حلقة مستمرة طوال الوقت تتضمن تمرير أكواب الشاي والخبز المحمص وبرطمانات المربى، مشيرًا دوما للساعة السادسة.

أيّ عقابٍ هذا؟ أن تجلس مكانك، وترى الجميع يمضون في طريقهم من حولك، وأنت جالس بلا حراك.

لم تَكن الملكة التي مرّت بها آليس نهاية رحلتها تملك الوقت أيضا لمحاكمة شعبها، بل كانت تعاقبهم جميعا بعقاب واحد، “فليقطع رأسه” تقول، من دون حتى أن تلتفت أو تُعيد التفكير مرة ثانية.

إلتقت آليس بالملكة أثناء بحثها عن طريق ليعيدها لما كانت عليه مسبقا، لكن.. من هي آليس حقا؟ لم يُعجب الملكة بحث آليس المتواصل عن طريقها، ولا عن فضولها وأسئلتها المتكررة، عرضتها على المحكمة لأول مرة، لكنّ الملكة كانت ترى في ذلك إضاعة للوقت

“فليقطع رأسها”، أيضا.. بكل سهولة.

سقطت آليس في جحر الأرنب الذي تمثل في شكل كرة بيضاء من الفضول.. ونحن الآن ساقطون داخل جُحر الأرنب. ومتواجدون كما آليس في بلاد العجائب، لكننا ظللنا الطريق. أو لم نستيقظ من دهشتنا حتى الآن.

وبالنظر إلى قصة آليس في بلاد العجائب الآن، وبعد مضي عدة أعوام، فإن البعض لازال يظن بأن آليس هي قصة الصغار فقط، لكنها قصتنا جميعًا إنها نحن .. ولكل منّا بلاد العجائب الخاصة به. إنها مجنونة، ومُلهمة وحزينة.
” لا أستطيع العودة إلى البارحة، فقد كنت شخصًا مختلفًا وقتها. “

وفي سقوطنا المختلف أشكاله عبرة.

“عِبرة..” كلمة مبتذلة، لا أملك مرادفها حتى الآن.. بداية نقص حاد في الكلمات.

//

موسيقى: كل الوداعات ليست مفاجئة:


https://soundcloud.app.goo.gl/KVpoe

امتنانات المدونة عام – 20-20

What do you do with the mad that you feel, when the whole world seems so wrong?

هذا العام، منذ بدأه، إستقبلت مدونتي هدايا ومشاركات مميزة، وحرّى بي مشاركتها إياكم:

الأولى من الرائعة صاحبة الصوت الجميل إيمان كشلاف قامت بمراسلتي لرغبتها بقراءة نصوص نشرتها على المدونة، وتسجيلها صوتيا على الساوند كلاود كانت بادرة يملؤها اللطف.. أسعدت قلبي الذي إمتلأ بالفراشات.

كان ل ريتا أيضا نصيب من هذه الهدايا، فقد قام مالك الحداد برسمها كما تخيلها أثناء قراءته للقصة.

ريتا جالسة أمام عتبة باب منزلها، بعينين تملؤهما الدهشة ونملة تجلس بأريحية تامة على أنف حذاءها الصغير، وعنكبوتة تنسج بيتها في الزاوية فوق رأسها.. كان لهذه الرسمة آثرًا طيبًا في نفسي، أسعدتني للغاية حتى وضعتها واجهة هاتفي. أتذكر دائما بأنها ولدت من رحم أفكاري، وأنا أكتب.

قامت الرائعة، المميزة في إختيار كلماتها الصديقة هالة بنشر أحد النصوص من المدونة، تواصلت معها هدى التي رغبت بدورها التواصل معي لأخذ الموافقة ونشر القصة القصيرة في صحيفة الديوان العدد ٧٨ . سُعدت بذلك كثيرا، لم يسبق لي النشر في أي صحيفة مسبقا. الإمتنان أولا لهالة لثقتها بما أكتب ومشاركتها إيّاه.

وفي الحقيقة، هذه ليست المواقف الأولى التي أمر بها بصحبة المدونة، فقد مرت عدة سنوات منذ إنشائنا للمدونة، وفي كل عام أستقبل رسائل مميزة من أحد القراء العابرين. مرني يومها أحد وترك لي رسالة على الانستغرام، مفادها:

هذا العام -كما ذكرت مسبقا- لم أخطط لشيء.. لحسن حظّي. جعلت الأمور تأخذ مجراها.. لم أضغط على نفسي في شيء.

أتممت عملي في المنزل، ثم قدمت على وظيفة كمعلمة فصل، إشتغلت لمدة ٣ أشهر. ثم إستجمعت قواي وقدمت إستقالتي. لم أكن سعيدة،

إستمتعت.. كانت تجربة مميزة جدا. سأشتاق للجميع.. وأطفالي.


Jana: miss! Can you open the whiteboard? I want to write something too.

Me: Ok..

Jana:

“Miss, when you go to class, take your coffee and sit on your chair, you find papers papers papers.. papers everywhere”

ذُكرت في تدوينتين هذا العام..:

قصة علي الأعرج

لوركا؛ من خديجة..

اليوم الأخير من هذا العام الغريب، وبداية جديدة في عمل جديد، أتمنى أن تجري الأمور بأفضل صورة. كل عام ومن يقرأ هذه التدوينة بصحة وعافية.. إنّ أفضل مايمكن أن يتمناه المرء لشخص أخر، هو دوام عافيته.

New year’s resolution.

Illustration by: Keith Negley

By the end of the year, the boy gathered all his precious things and he put them in a box.

Everyone was so fascinated about how big is the box, and how small is the boy.

He brought a chair and a table and sat at the corner of the street trying to sell all his items. You know, it’s the time of the year where people start selling and exchanging things. But no one dared to buy something of him.

Every time, someone approaches him to buy something, the boy gets excited and he opens the box. Once he opens it, a loud scream comes out, his things starts crying nonstop and raging.

So he closes it, and the person takes a step back and run.

By the beginning of the new year, the boy carries his box filling it with one last thing -his disappointment- and moves on to his home, putting the box underneath his bed, while grabbing a bigger one to start fresh.

سر ماجرى للشيخ الكبير (قصة قصيرة)

يحمل الشيخ إبراهيم الكتب إلى شقته ويضعها داخل صناديق كرتونية. شقته مكتنزة بالكتب، تغطي الصناديق الجدران، والنوافذ.


أحيانا، يتداول الجميع الحديث عن سقوط بعض الكتب من شقة في الدور الرابع، داخل العمارة المطلة على الشارع الرئيسي. يتجمع الجمع لصعود الدرج، طارقا باب شقة الشيخ إبراهيم. يفتح الباب ممسكا كوب فارغ، يقوم بتعديل نظاراته، ومن ثمّ يبدأ الحديث الذي يصل صداه حتى نهاية الشارع. لا يستقبلهم، فليس ثمة مكان يتسع لكل هذه الجثث، يعايرونه بصرف كل هذه الأموال على الورق، ينفخ صدره، ولا تصدر منه أي ردة فعل، فقط يطمئنهم بأنه سيتوقف عن فتح النوافذ، وربما.. ربما.. سيتوقف عن شراء الكتب.


إلا أن الشيخ إبراهيم حقيقة، لم يشتري كتابًا يوما في حياته، وكل هذه الكتب عبارة عن تجميعات يقوم بالحصول عليها كل صباح أثناء جولته التفقدية حول المدينة.


على طاولة المطبخ، يجلس لأكل الفطور، تغطي الطاولة خريطة صفراء اللون لمدينته الكبيرة “بنغازي”، يضع عليها نقاط حمراء تشير إلى توزيع المدارس في المدينة. فبعد الثورة أُهملت المكاتب في المدارس، وأُلغيت حصة المكتبة.. فيما عادا القليل جدا.


إسترق السمع لحديث جارته المعلمة، التي كانت تحادث جارتها عن أن الكتب الآن تُرمى في الشوارع، وحتّى أنّ المدرسة التي تعمل بها، رمت الكتب داخل فصل كبير جدا، بسبب الصيانة التي لازالت مستمرة منذ ثلاث سنوات.


“لم يعد أحد يقرأ الكتب في وقتنا الحالي!.. للأسف”.
إخترقت العبارة طبلة أذن الشيخ واستقرت بداخل أذنه وأخذت براحًا..
لحق الشيخ ابراهيم جارته صباحا، وعلم مكان مدرستها، وعند حلول المساء، تسلس داخل أسوار المدرسة المنشودة، بحقيبته الجلدية ومصباح صغير ينير له طريقه. يفتح كل باب فصل يمر بجانبه.. وهكذا استمرّ إلى أن وجد مراده.


فصل كبير جدا، يتوسط الفصول الدراسية الصغيرة، ممتلىء بالكتب التي تغطيها الأتربة، أمضى ليلة كاملة يعاينها، لم يكن لديه الوقت الكافي للإختيار، وقراءة ملخاصتها، ثمّ حمِل منها ما حمِل وتوجه إلى شقته عائدا، فرحا لما تحمله يداه.


وهكذا، يقوم بعمله هذا كل يوم، متنقلا من مدرسة إلى مدرسة، صباحا يجلس لإعداد الفطور، يأكل ويقرأ كل ماتقع عليه يداه، حتى أنه في مجالس الشيوخ أصبح يجلس متحدثا عن …… وعن …… وعن…… يستغرب الجميع هذه الأسماء، يرمون أوراق اللعب، ويسألونه عنهم، لكنه أيضا لا يعرف من هم، فقط يعرف مايكتبون.. فيبدأ بالحديث عنهم من شخصياتهم الروائية التي يكتبون عنها أو من الملخصات المذكورة عنهم على الأغلفة.


لم يمضي عمل الشيخ إبراهيم بإحتجازه للكتب هكذا، يحمل حقيبته البنية ليلًا، ويخرج متوجها نحو مدرسته التالية، يقص طريق الساحة الخلفية المليئة بالأشجار، كغابة صغيرة تسكنها الذئاب ليلا، ينتبه إليه بعض السكارى والحشاشين، ثلاثة، صغار في السن، يربطهم ببعضهم البعض رباط مطاطي وإبرة واحدة، إنتبه أحدهم لوجود الحقيبة، وفكر..
“ربما سنجد عند ذلك المسن المال، لنشتري الإبر، والرباطات”
لحقوه، حتى إستأنس داره، ووجد الكتب، وما إن دخل وبدأ بإلتقاط ماتمد له يديه، حتى أوقعه أحدهم ضربا، وسقط مغشيا عليه. فتشت حقيبته، وملابسه، ولم يجد عنده شيئا.. ماعادا ورقة وقلم حبر جاف، وكتاب. أمسك أحدهم الكتاب ورماه على وجهه.. و رحلو.


استيقظ المسن، وأمام غبش عينيه يظهر شيئا فشيئا عنوان لكتاب ينام مستندا على خده، يفتح عينيه تماما، ويستيقظ.. الشمس على وشك الشروق، سيرن الجرس بعد ساعتين، ويبدأ الجميع بالتوافد على المدرسة، سينكشف أمره.. أخذ الكتاب ونهض ينفض التراب من على رأسه وكتفيه وبنطاله، رماه في الحقيبة، وخرج مسرعا يبحث عن ممر آمن.


ما إن عاد إلى شقته، حتى نفض الكتب الموجودة على الأريكة وأتاح مكانا له، جلس يتأمل السقف، وسبب نجاته. صلّى، وشكر الله، ثم أعطاه ميثاقا بأنه سيتوقف عن سرقة الكتب العامة.


ثم فكّر من جديد، وحاور نفسه بأنها ليست سرقة بل مايقوم به لهو فعل بطولي، إنه حامي الكتب من سوء الإستعمال والإهمال. ثم جلس بقية أيامه يفكر بالذين أبرحوه أرضا.. “شرطة؟.. آمن داخلي!!” يقول محدثا نفسه بقلق، “لكن من أين؟”.


يفتح حقيبته ويتصفح الكتاب الذي يظن بأنه قد أنقذه من الموت، يقرأ العنوان “سر ماجرى للجد الكبير” يفكر كثيرا، ثم يضع الكتاب على الطاولة، وينتبه-لأول مرة- لضيق شقته. يحاول التنفس ولكن يفشل في ذلك، يتوجه نحو المطبخ ويقوم برمي الخريطة التي ترسم معالم المدينة، تسقط الدبابيس الحمراء أرضًا، مخلفة خطًا من وراءه يقود إلى سلّة القمامة. يواصل تنظيف شقته، يفتح النوافذ ويبدأ بإسقاط كل الكتب في الشارع، تشكل هرمٌ من الكتب أسفل نافذته. حاول المارّة النجاة برؤوسهم، حتى طرق الجيران الباب عليه، لكنه استمر في رمي كل الكتب إلى الشارع، وما إن انتهى من عمله، حتى إزداد طرق الباب.


أغلق نوافذه، وعاد ممسكا بكوب كبير فارغ، مرتديا نظاراته، فتح الباب، وإستقبل جيرانه لأول مرة، “تفضلوا” قال ببالغ الأدب، محنيا رأسه قليلًا، استغرب الجميع، ولكنهم أيضا رغبو بالدخول ورؤية شقته التي لم يرها أحد مسبقًا.


“تفضلوا” أعاد مجددا على مسامعهم، بينما أحدهم يصرخ من الخلف متحدثًا عن نجاة رأسه من سقوط أحد الكتب عليه.. فتح ذراعيه، وعلى مديهما قادهم إلى الصالة الفارغة من كل شيء، ماعادا صالون بثلاث كنبات، وطاولة صغيرة في المنتصف عليها كتاب واحد، فارغة من كل شيء.. أجلسهم وحادثهم وضيفهم، ونسيَ الجميع أمر الكُتب في الخارج ومضوا بدهشتهم فرحين بما رأوه.


لم يعد الشيخ إبراهيم يخرج من شقته بتاتا، يعيد قراءة كتابه الوحيد مرارا وتكرارا، ويسأل ابن جارته الذي يزوره كل صباح لأخذ نقود الخبزة والحليب منه “هل تعرف سر ماجرى للجد الكبير؟*”. يجيب الصغير بالنفي، ثم يؤكّد الشيخ على أنّه أيضا لا يعرف شيئًا..
“لكنّه أنقذني” يقول.. مؤكدًا على ضرورة احضاره لخبز ساخن.

قراءة: ربيع راشيل كارسون الصامت.

في العام 1962، نشرت عالمة الأحياء البحرية والكاتبة العلمية، راشيل كارسون كتابًا بعنوان “الربيع الصامت”، تحدثت فيه عن سوء إستخدام مبيدات الآفات الضّارة، وماخلفته من أضرار بيئية على الكائنات الحية، ومايمكن أيضا أن تخلفه -إذا تمادى جشع العلم في إنتاج هذه المواد السامة والقاتلة- للعالم مستقبلًا.
ولدت راشيل لويز كارسون في السابع والعشرين من أيار 1907 في ولاية بنسلفانيا-أمريكا- وتوفيت في الرابع عشر من نيسان 1964 ماريلاند-أمريكا-. عُرفت بكتاباتها حول التلوث البيئي، وعن التاريخ الطبيعي للبحر. جذبت إهتمام العديد إليها، فقد درست في جامعة بنسلفانيا للنساء بهدف دراسة الأدب لتُصبح كاتبة كما توقعها الجميع، لكنها ما إن لبثت قليلًا حتى وقعت في حب علم الأحياء، الذي غيّرت مجال تخصصها من أجله. وهبت نفسها لعلم الأحياء البحرية، وقد نشرت العديد من الكتب التي تتحدث عنه. لاقت كتبها إستحسانًا كبيرًا نظرا للمحتوى بداخلها، واللغة الشاعرية المستخدمة.
راشيل كارسون المحبة للطبيعة والعلوم، نشرت كتابها “الربيع الصامت” كرد على ما أحدثه سوء استخدام مبيدات الآفات على الكائنات الحية، والتي كانت سببا رئيسيا في تسمم وقتل العديد من الحيوانات والنباتات في أمريكا. لكنّ الضجة التي أحدثها الكتاب، جعلت منه محطّ إهتمام، وجدل واسع في كثير من الدول.. ذاع صيته، محدثا بلبلة تسببت في عرض راشيل كارسون أمام برلمان الولايات المتحدة، والإدلاء بشهادتها أمام مجلس الشيوخ، حتى أنه تم تشكيل لجنة تحقيق لما يحتويه الكتاب، والتحقيق وراء النتائج التي تخلفها المبيدات المستخدمة. كارسون كما وقفت في صف الطبيعة، وقفت أيضا في صف كتابها حتى النهاية.

“الإنسان جزء من الطبيعة، وحربه ضدها.. هي حتمًا حربه ضدّ نفسه”

كثر إستخدام المبيدات إبان الحرب العالمية الثانية، فترة إزدهار علوم الكيمياء والسموم. أستخدم تحديدا مبيد الـ DDT أولا كطارد للباعوض خلال أربعينيات القرن الماضي، ثمّ بعد ذلك أستخدم كبخاخ، وكطلاء على الجدران. إنتشر الـ DDT بشكل واسع قبل حتى أن يتم إختبار تأثيراته الضارة على البيئة والكائنات الحية، كان إستخدامه الواسع ناتجا من فعاليته السريعة، و رخص قيمته، وبدون التفكير في تأثيراته السلبية على المدى الطويل. فالـDDT يصعب تكسيره بسهولة، ولا يذوب في الماء، ولكن يذوب في الدهون ويتراكم في الأنسجة الدهنية للكائنات الحية، مما قد يؤثر بشكل كبير على أجيالها القادمة وكفاءة إنتاجيتها.
استخدم الإنسان مبيدات الآفات ليحل مشكلته، لكنه نسي بأنه تسبب في مشكلة أخرى زادت عن حدها منذ ستينيات القرن الماضي، ولازالت تكبر شيئًا فشيئًا حتى يومنا هذا، وهي ماتعرف بالمقاومة، فقد ردت الطبيعة على الإنسان بمقاومته أشد المقاومة على الحرب التي شنّها عليها، فقد قامت النباتات بعمل تغييرات جينية لحماية نفسها ضد الخطر المنكب عليها من الإنسان، وقامت الحشرات بعمل الأمر نفسه، الأمر الذي يستدعي تسليط الضوء عليها في حقل الصحة العامة. فعندما تصبح الحشرات الناقلة للأمراض مثلا، مقاومة. يزيد ذلك معدل الإمراضية والوفيات في المجتمعات وتزيد بجانبها معدلات إنتشار الأمراض والأوبئة.
ينسى الإنسان في خضم معركته مع الآفات وانغماسه في صنع مواد فتاكة، أن يتذكر نفسه. فلإستخدام هذه المواد على المدى القصير أو الطويل تأثير مباشر أو غير مباشر على الإنسان، كما أنها من الممكن جدا إذا ما تم استخدامها بطريقة عشوائية وإهمال، أن تؤثر مباشرة على الجهاز العصبي مثلا، أو التنفسي مسببة إختناقا في التنفس، أو آلاما في المعدة، أو حروقا على الجلد ولا نستبعد الوفاة أيضا. كما أنها تعتبرًا سببا رئيسيا مسببًا للسرطان. فالإستهتار التام أثناء إستخدام هذه المواد لا يخلف آثارا سلبية فقط على الطبيعة، بل أيضا على من صنع هذا السلاح بيديه، مؤديا بحياته للهلاك، ومخلخلا التوازن الطبيعي.

“كتب الإنسان في تقدمه نحو هدفه المعلن -وهو قهر الطبيعة- سجلا محزنا من التخريب. التخريب الموجه ليس فقط ضد الأرض التي يسكنها، وإنما أيضا ضدّ الكائنات الحية التي تشاركه فيها” فقد كانت إحدى أسباب كتابة “الربيع الصامت” هو أن صديقة راشيل كارسون أرسلت لها برسالة، تذكر فيها وبمعنى أنها رأت طائرة تحوم فوق المنزل منذ عدة أيام، تقوم برش احدى المبيدات، ثم في اليوم التالي لاحظت بأن الكائنات الحية في تلك المنطقة بدأت تنفق واحد تلو الأخرى. كثرت الشكوى من نفوق الكائنات الحية، حتى أن الطيور إختفت في بعض المناطق، وسكنها الهدوء.. الهدوء المخيف. ثم ما إن كتبت كتابها ونشرته حتى لقيت ردًا صاعقا من المنظمات الزراعية، ونظمت حملات منهاضة للكتاب. بعد عدة سنوات من نشرها لكتاب الربيع الصامت، تحديدًا في العام 1972، تم حضر منع استعمال الـ DDT من أمريكا. لكنّ كارسون لم تشهد هذا النجاح، إلا أن الإنسان يموت، لكن الفكرة تبقى، مُخلدة إسم صاحبها.

مالذي يمكن عمله للتقليل من حدة استخدام مبيدات الآفات، والحد من ضررها قدر الإمكان:
يعيش الإنسان الحالي عصر المقاومة، فبالنسبة للمبيدات المستخدمة عشوائيا، تقوم الكائنات الناجية من هذه المواد السامة، أو التي تعرضت لكمية ضئيلة لها، بتعديل نفسها جينيًا إستعدادًا لمقاومة المبيد مرة أخرى، وتقوم أيضا بتمرير جيناتها للأجيال التالية. وهكذا كلما نجت فئة ما، قامت بتعديل نفسها جينيًا وإمراره للأجيال التالية. لذلك، وبحسب منظمة حماية البيئة EPA، يجب إتباع كل التعليمات والمتطلبات المكتوبة على العلبة، أو في الأوراق الإرشادية المصاحبة للمادة. التفتيش المستمر على حالة حاويات المواد أو العلب، للحد من حدوث أي تسرب أو أي شيء من هذا القبيل، قبل أن يسبب كارثة ما.
خلط المواد، وغسل الأدوات بعيدا عن أماكن الصرف الصحي.. ومحاولة إبعاد مبيدات الآفات قدر الإمكان عن أي مصدر مياه. إستخدام المبيدات فقط عند الحاجة، ومحاولة ضبط الجرعات المستخدمة أثناء القيام بعملية الرش، أو الوضع.. لحماية الحشرات النافعة مثلا، أوالحيوانات الموجودة في البيئة وغيرها من الكائنات الغير مستهدفة. تغطية المكان المراد إستخدامه بالكامل، وإرتداء الملابس الواقية اللازمة أثناء استخدام المبيدات.
أخيرا، من عدة علاجات مستخدمة لمكافحة الآفات الضارة بشتى أنواعها، يعتبر العلاج الكيميائي المستخدم أخيرا، إلا أن الانسان يأبى إلا أن يتجاهل كل الحلول الأخرى -الطبيعي، الحيوي، والميكانيكي- ويقع إختياره الأول على الكيميائي، متجاهلا مضاره السميّة، وقدرة الكائنات الحية على تكوين جينات مقاومة لهذه المبيدات. مما يتسبب في صنع مشكلة أكبر تتزايد كل يوم.

-المصادر:
1- https://www.britannica.com/biography/Rachel-Carson
2- https://www.epa.gov/safepestcontrol/tips-reducing-pesticide-impacts-wildlife
3- ربيع صامت – راشيل كارسون.

..

هل لازال الصباح يناسبني للكتابة؟

لا أظن ذلك.. يبدو بأنه تعب منّي، أشعر أحيانا بأنه يتجاهل رغبتي في الكتابة. ويحاول في أحيان كثيرة صرف النظر عن لحظات شرود ذهني.. ومحاولاتي البائسة أمام لوحة المفاتيح. يبدو بأنني سأحاول أن أجد وقتا أخر يلائمني. أترى.. الأمر أشبه بموسم الحرث. هذا العام تقوم بالحرث برسم معيّن، ثم في العام التالي تغيّر تلك الرسمة.. وهكذا. نعم.. نعم، الأمر أشبه بموسم الحرث.

عام ٢٠٢٠.. ؟

حاليا-وعلى الأقل بالنسبة لي-إنتهى العام.. أنا موجودة في العام ٢٠٢١. لا تسأل كيف ذلك؟.. لا لم أسافر عبر الزمن، ولكنّي أشعر بالأمر.. لا أدري! أنا أيضا لا أعرف.

رغبتُ في البكاء بعد سماع مقطوعة موسيقيّة.. مرّت على واجهة الساوندكلاود، وكادت أن تنسحب خلف الفوضى العارمة التي تغمر الصفحة الرئيسية. شغّلتها بعد أن قرأت إسمها: أرجوك، إبقى.

https://soundcloud.com/denisstelmakh/please-stay?ref=clipboard

ثمّ تذكرتُ ماقالته بطلة المسلسل -دراما كوريّة..- الذي كنت قد أنهيت مشاهدته منذ أسبوعين تقريبا:

A piece of your mind (2020).

يُبلغني الووردبريس اليوم بذكرى مرور ست سنوات على أول تسجيل دخول لي على المنصة، والبدء في الكتابة والتدوين بشكل جدّي. مالذي تغير بعد كل هذه السنوات؟.. هممم، الكثير.. الكثير جدا.

لسنوات كثيرة قادمة مليئة بالتدوين والكثير من الأحاديث المبعثرة..

شكرا ووردبريس.

تنهيدة..

قراءة: الجعكي يحيا بالكلمة.

علي محمد الجعكي

بالنظر إلى القصة القصيرة، يظن المرء بالتأمل فيها لفترات طويلة، أو حتى أثناء قراءته لها، بأن كتابتها لأمر سهل للغاية، ولكنه تحديّ حقيقي لمن لا يريد إغفال ذكر التفاصيل. توضع المقدمة ومن ثم الحدث ومن بعد ذلك النهاية التي لطالما أتت فجأة وعلى حين غرّة من القارىء.

تُحشى الأحداث في سور ضيّق، وتسرد بعدد كلمات وعدد صفحات معينة، فالقصة القصيرة –وإن طال الحديث عنها- تتمتع بمقومات تجعلها مختلفة عن باقيها من الكتابات الأخرى، لها جمهورها الخاص بها، وكتّابها المتخصصين؛ نظرا لصعوبتها.


وإن نجح القّاص في سرد حكايته فعلا، فإن النتيجة تكون بإعادة القاريء قراءته لها مرات معدودة ليفهم مالذي حدث بالتحديد أثناء قراءته الأولى. ولتجيب عن أحد أهم الأسئلة “كيف؟” فالقصة القصيرة لا تقرأ على عجل، هذا العالم المتخيل الذي ينشأ فجأة بقراءتك لأسطر معدودة قد يلازمك طوال حياتك.


ولتعاد قراءة القصة مرات معدودة، وليذكر إسمها بذكر إسمك، يجب أن تمتلك المفاتيح اللازمة التي تساعدك على الكتابة.. أن تمتلك مقومات اللغة، والكلمات، وحس المغامرة.


في الأدب الليبي، توجد الكثير من الكتب التي تسرد القصص بطرق وأساليب مختلفة، المملة منها وكأنها واجب تعبير مدرسي، ومنها المثير للإهتمام، الراقص، الشيّق، الذي يلبسك كغطاء لتدفئتك من المطر الذي يوشك على الهطول أثناء القراءة.


ففي مجموعته القصصية “سر ماجرى للجد الكبير” وتحديدا في قصته حالة تلبّس المنسردة في صفحات معدودة، يستحضر الآديب والقاص الليبي “علي محمد الجعكي” جو الحافلة العامة في طقس صيفي حار جدا، على الرغم من أنه لم يذكر ذلك، لكن ضيق المكان وضيق الكرسي والجار الجالس على قلبه يضعانك في جو صيفي حار عند درجة حرارة 38 س تقريبًا، تجد نفسك فجأة جالس من الخلف، مراقبًا حركة الجميع، تخرج من الحافلة بشق الأنفس، مبلل ومغطى بقاذوراتك وبقاذورات من كانو معك.

يدا بيد يمر الجعكي مع القاريء على صفحات كتابه، محدثا إيّاه عن ماتحمله النفس من أثقال على كتفيها، وحالات شخصياته النفسية المتفاوتة، وعن صراعاتهم اليومية، وسذاجاتهم. و مايميز كتابات الجعكي هو إستخدامه للسرد بطريقة تصويرية أقرب إلى الشعر، مايجعله واحد من أفضل كتّاب القصص القصيرة على مستوى البلاد، هذا لأنه لم يستهن أبدا بما يكتب في عدة صفحات أو حتى أسطر، بل آثر على نفسه التغنّي بالكلمات وعرض صوره البليغة المتمثلة في الكلمات المتلاصقة بحرفيّة تامة، حتى تصبح أقرب إلى الحقيقة أثناء قراءتها.


فلا يمكن للقارىء العادي أن يشعر بأنه أيضا جالس في الحافلة، مخانقا بالروائح النفّاذة، أو أن يرى جبال أكاكاوس متجسدة أمامه أو حتى أن يشهد موته غريقا، إلا إذا كانت لديه ذائقة الكلمة والصورة.


حالة تلبس “قصة قصيرة” علي محمد الجعكي:


(أيها الجسدُ المُتبّل بالآلم.. أيها المطر الأرجواني الوحشيّ.. تهطلُ غيماتك السّود في الأحراش اليابسة، في غيابةِ النفس تنمو أكاليلُ الشّوك. يترعرعُ الألم. يتفتّقُ برعم الوسواس والتحوّل. الخجلُ يطفو كلوحٍ زنخ. يتشكّل كورمٍ مُخيف. ينمو بسرعةٍ في نفسي […]..)


علي محمد الجعكي، مواليد مدينة الخمس 1952 -بحسب قناة الخمس الحرة على الفيسبوك- ونظرا لفقر المعلومات عن هذا الكاتب الرائع، فقد قرأت أيضا، بأنه عمل كأحد موظفي القسم الثقافي بمكتب النشاط المدرسي بمراقبة التعليم “بلدية الخمس” وأحيل على التقاعد عام 2016 بعد بلوغه السن القانونية للتقاعد، عمل معلمًا ومن ثم إنتقل للعمل بمكتب النشاط المدرسي بالمنطقة. ويعتبر عضو بارز برابطة كبار الأدباء الليبين، شارك في العديد من الصحف والمجلات الليبية، ومن أعماله في القصص القصيرة “سر ماجرى للجد الأكبر” “زهرة الليل” “أموت كل يوم” والتي ترجمت للغة الإنجليزية وتدرس الآن بجامعة كامبريدج بقسم الدراسات الشرقية، له أيضا رواية جاهزة للطباعة تحت عنوان “ابن الغبار وحياة أخرى”.


إن الجعكي من أكثر الكتّاب الذين قرأت لهم يكنون إحتراما كبيرا وبالغا للقصة القصيرة، يعمل على بناء قصته رويدا رويدا، كحديقة سريّة يبنيها ويزرع بها مايطيب، حتى يجهزها ويخرجها للملأ.. تامة. فلا يمكن لأحد أن تقع بين يديه إحدى نصوصه، وألا ترتسم على وجهه علامات الدهشة مما قرأ، وألا يتم إرساله لأحد العوالم المتخيلة الخاصة به.


“لا أدري لماذا أخذت تحاصرني هذه الكلمات الغريبة، يا له من شيطان همجي هذا الصديق المعتوه.. سيطرت عليّ أفكاره السوداء.. وأخذت تدق في داخلي كالنبض.. تشعبت كجذور نبات سام في كل أطرافي.. لماذا لا أجرب لمرة واحدة؟”.

اليوم العالمي للعُسر. “نص”

يردد: “بسم الله الرحمن الرحيم”.

كلما جلس يأكل الطعام على السفرة الدائرية، التي تضم ثلاثة أشخاص آخرين. بينما هم يبدؤون مباشرة في الأكل.

ثم في منتصف الرحلة التي يخوضها بين فمه وقصعة الأرز، ينسى ماقاله.. ويلازمه الشك بجلوس الشيطان بجانبه، يقاسمه كل ملعقة تدخل فمه.. ويتذكر النار..

فيُفكر خلال مضغه للطعام: أقلتها؟ أم لم أقلها؟..

يتنهّد، ثم يردد مرة أخرى بسرعة شديدة قبل أن تصل إليه الملعقة المحملة بالأرز وقطعة من اللحم: بسم الله أوله وأخره.

ذهب الشيطان، واتسعت الدائرة.. إنهم يأكلون بيمينهم، ولا يأكل الشيطان معهم، وأحيانا يسمّون، وأحيانا لا. ولا يعيدون حتى بسملتهم.. ويقومون بسحقك كلما لامست يدك ملاعقهم، ويعايرونك بفشلك:

-لما لم تعلمك أمك الأكل بيدك اليُمنى؟ “ياغلام، سمّي الله.. وكل بيمينك، وكل مما يليك”.

محاولة ليدي اليسرى بعقد معاهدة صُلح مع السماء..

نشرة شهرية: نادي النباتات الحلوة.


يتقدم رئيس مجلس إدارة “نادي النباتات الحلوة” بتقديم أحر التعازي للأعضاء والزوار الكرام، لفقدانهم أحد الأعضاء المميزين.
حيث وجد البارحة مغشيا عليه، خارج تربته بداخل الإصيص الذي وضع به منذ عملية تشتيله وفصله عن الشتلة الأم. وفتحت اللجنة تحقيقا لمعرفة سبب حدوث ذلك.

نعتذر لقساوة المشهد..

وأما عن المشتبه به فقد تم حجزه حتى اشعار أخر.

*

صورة عائلية..

*
وزعت كنافة بالقشطة والجبنة صباحا على المعزيين مع قهوة:

فخاطري لها كم يوم.. درتها بالقشطة والجبنة وخليتها تشمس في الكوشة على قد ماتقدر.. ❤



*

حديث جانبي من أحد الأعضاء:


١- يابتّي، اتقول فرحانين! شن يعني كنافة؟؟
٢- طح سعدهم يقدرو على الكبار!
٣- اللهم لاتشمت أعدائي بدائي.. لكن انقانه كان يدرهلي في كبدي وهو يتمرّض طول الوقت.
٤- تريّح..
٥- وسع لهالمسكين، وهو مضايق عليه.. مافيش منه فايدة.

*

شهود عيان:


١- من الريح!
٢- تقاتلو بجذورهم لعند خنقه.. هكي سمعت..
٣- من قالها..؟
٤- صفقه ورق الحبق الي جنبه!
٥- سمعت نبته طالعة جديدة عند الجارونيا، يقولو ضارة بس لعند توا مافيش كلام.. وليدنا مامات الا لما طلعلنا هالورق!!*

ورد مجفف وبعض الأوراق الي تطوعت لتوضع على القبر حتى تؤنس وحشة الضعيف.

..

مازال فيه جهد، ويمكن إعادة زراعته.. ولكنه ضعيف جدا. مرت ٦ أشهر تقريبا ولم يتغير. نتأسف لخسارتك.

..

أحد الخطب التي ألقاها أحد الأعضاء:

تبدأ الأحلام بالتوافد عليك محملة بشكوى عن صاحبها.. أنت.. لا تستغرب الأمر.. تشعل الموسيقى.. وتجهز القهوة بينما تجهز الكراسي وتجمعهم للجلوس.. متحولقين أمامك تخبرهم عن مدى أهمية مشاركة النواقص.. وعن الرغبة في التخلص من كل شيء.. وقد تقدم إعتذار على مضض عن محاولتك للتملص منهم.
ثم تهدأ، وتتذكر.. بأنك تمتلك شيئا مختلفا.. شيء ما يمنعك من التحرك. لست مميزا، ولكنك على الأغلب ملعون. أو شيء من هذا القبيل.