قطعة من جدار متصدّع

By: Anna Heimkreiter

أقسّم اليوم إلى أربع
صباح، مساء، مساء، ثم ليل.
في الصباح أعمل على إنهاء واجباتي
المساء الأول، أسترخي.
المساء الثاني أنهي النصف الآخر من واجباتي.
ثم يحل الليل.


الليل..

لقد مر وقت طويل.
لم أستطع عقد صفقة معه.
الليل يأتي بغيمة
تصبّ على قلبي
وتنفث غبارها في عيناي
حتى لا أرى شيئا.

قبل إغلاق الباب،
أعد الحاضرين..
ثمة قطعة ناقصة.


أكفّ عن العد.


لكن ضوءا ما يخرج من مكانها الفارغ.
أقف مجددا وأعدّ
حتّى يتكوّر لساني لأتوقف.

ثم أعيد سؤال نفسي
لما لم تُنهي كلماتك حتى الآن؟

أنهيتِ الواجبات؟ ولكن ماذا عن الكلمات؟


لما لم تقولي كذا و كذا وكذا.


أهزّ برأسي مثل جذع شجرة نفخته الريح.


أبتلع أعينهم
وأحاول إبعاد أصابعهم التي تخدش الجدار.


قليل من الدماء المنسكبة على الأرض
لا بأس، أعيد مسحها من جديد.
ثم أضع ضمادة..
وأجبر قطعة منكسرة
وأخيط جهةً مُنسلّة
ممم، يستمر الأمر لعدة أيام ربما.. أو أسبوع..


اليوم عددتها..

وأكتشفت أنه أسبوع.

يجب أن أتوقف عن العد.


ياللحزن،
أقول.. “نحن نمضي بالتخلّي”
ثم أجد أحدهم متعلقا في كتفي يأبى ذلك.
ثورة صغيرة تُقام من خلفك أثناء الرحيل.
كيف؟ كيف؟ لماذا؟
ومن سمح لك؟
ألم يكن للقبلة الخالدة أي تأثير؟.

إستحضار ذكريات عائمة من نهر الليثون “قصة قصيرة جدا”

Artist unknown.

لقد مر وقت طويل منذ أن سمع أحدهم عن جريان نهر الليثون الذي يتوسّط المدينة الهادئة، تسري الأحاديث من أسفل الممرات والطرق، تقول: لقد كان الجميع يذهب للنهر ليغسل وجهه لينسى.. ثم ينسى لما آتى للنهر، يغمر وجهه ويطفو.

كلما جاء أحدهم لضفة النهر يبكي، يرى تلك الكُتل المنتفخة الطافية على سطحه، يقرر أن يبلغ الشرطة بذلك، لكنّه يغسل وجهه أولا. ثم ينسى، ويعيد الكرة مرة ثانية لعدة دقائق حتى يتكوّر ويطفو على سطحه.

تغذّى النهر بالجثث الطافية المنسيّة لسنين عدة. حتّى فاحت الروائح العفنة. وتقرر تجفيف النهر، لأن الحملات التوعوية والإرشادات والمطويات التي وُزعت للإبتعاد عنه، لم تأخذ بعين الإعتبار. فقد كان الجميع – أقصد معظمهم- لديهم رغبة شديدة للنسيان والبدء من جديد.

وكانت بداياتهم تطفو على سطح النهر، ببطون منتفخة، وعيون جاحظة، ولون أزرق قاتم يغطّي وجوههم وأصابع أيديهم. فلم يكن بالإمكان التعرف عليهم وهم بهذه الحالة.

جُفف النهر، ولكنّ التربة مازالت رطبة.. وبرك من الماء تمتلىء يوما بعد يوم. وعيون صغيرة تظهر بشكل متقطّع على طول النهر حتى يومنا هذا.

موسيقى: مِثلَ زهور البرّيَة، ألهمتني وساعدتني لإستكمال القصة. وعلى الرغم من شعوري الدائم بالنقص إتجاه القصص القصيرة التي أكتبها، لكنني أتركها تسري كما هي. تكتب نفسها بنفسها، مستمتعة بالنهايات الغير مفهومة، النهايات المفتوحة.. والتي بسببها – أحيانا – أشعر بتكّون كرة من الزغب داخل رئتاي، ناتجة عن الأحاديث الغير منتهية. ربما، أقول لنفسي مهوّنة عليها، سنكتب نهاية يوما.

أرجو قراءة القصة وسماع الموسيقى في ذات الوقت.


https://soundcloud.com/exkhroowkopc/jw7f9iikciyx?ref=clipboard&p=a&c=0&si=362926ea6d2a42da8d4f3cceb118b37e&utm_source=clipboard&utm_medium=text&utm_campaign=social_sharing

حول نهر الليثون: https://www.independentarabia.com/node/43501/%D8%AA%D8%AD%D9%82%D9%8A%D9%82%D8%A7%D8%AA-%D9%88%D9%85%D8%B7%D9%88%D9%84%D8%A7%D8%AA/%D9%86%D9%87%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D8%AB%D9%88%D9%86-%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D8%A9-%D8%A8%D9%86%D8%BA%D8%A7%D8%B2%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%A7%D9%85%D8%B6%D8%A9-%D9%82%D8%AF%D8%B3%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%BA%D8%B1%D9%8A%D9%82-%D9%88%D8%AA%D8%BA%D9%86%D9%89-%D8%A8%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D8%A1

جسد بركاني (قصة قصيرة جدا)

Artist unknown.

ما يؤرق العلماء -بعضهم- عدم إيجادهم للبركان الثامن والخمسون على الأرض. فلقد كتب الأولون، في الأوراق القديمة عدد ثمانية وخمسون بركان، مع رسم خريطة تحدد مكان كل واحد منهم، لكنهم لم يضعوا علامة على الأخير.

بحث الجميع، وأرسلوا القوارب بحثا عن البركان الضائع، حتى أنهم أرسلوا الغواصين.. ربما، -فكّر أحدهم -“سنجده في قاع المحيط”.

و بين ليلة وضُحاها.. تناقل الجميع خبر إنفجار بركاني داخل جسد إمرأة.

النهاية في يوم واحد.

Illustraed by: Eleni Debo

أنت متأخر دائما
عن طابور الصباح
وعن العشاء
وعن الحب
آه نعم ياله من أمر محزن
أن تكون متأخرا دائما عن كل شيء.


وبالنظر إليك
يظن الجميع بأنك في أول الصف
لكنك،
لم تصل حتى للوقوف فيه
الطابور..
صف المنتظرين
لايسعني.
ولكن غدًا،
سأكون أكثر حرصًا

سأقف وحيدا،
سأصنع طابورا خاصًا بي.
ولكن متى يأتي الغد؟
وإلى ماذا سيوصلني هذا الطابور؟


النهاية وحدها مع الجميع.


وحيدًا،
أقف.. وحيدًا.
لا صديق، لا حبيب، ولا أب.
وهكذا،
أصنع طابورا لوحدي،
ونهاية لي..
بيدّي،
ألقي كل شيء على الجدار
حتى تتفتّح زهور الربيع.
وينكسر المفتاح.


جداري لوحدي،
وبابي لوحدي،
نهاية لي أنا.. لوحدي.
ولكن،


هذا الباب أيضا لا يسعني.
لايسع لي،
ولا لحزني
ولا لقلبي الذي أحمله خلفي
ولا لحجم رأسي.

بابٌ خاطىء!

مرة أخرى.


إذا.. سأعود من جديد؟


هكذا، دائما
أصل متأخرة.


ولكنّي سأحاول عبثًا..
كما حاول الآخرون، إن وجدو.

فُتات

artist ulla jokisalo

هذا كل ما لديّ
أفتح كيس الخيش
وأخرج ما حملته وجمعته طوال الأسبوع


الخميس..

نهاية الأسبوع.


أولا، أُخرج الغضب

بصعوبة،
أضعه على الطاولة.
حيث صوت يصرخ في الغرفة

ترتفع درجة الحرارة فجأة

يخلع الجميع معاطفهم
يحاولون اسكاته..


لكنّي أقف أمامهم
أتركوه.


ثمّ أخرج الوحدة


منديل
أسود
أفرشه على الطاولة.

يسكن من في الغرفة.


صوت ريح..


ثم أخرج الحزن.

وأخرجه مرة أخرى..

أطلب المساعدة..

لا ينتهي.


آه، الشعور المفاجىء بالحزن.


إنه لا يرحل.

وداعًا ” علي محمد الجعكي “

انتقل إلى جوار ربّه الأعلى “علي محمد الجعكي” في الواحد والعشرين من أغسطس من عام ٢٠٢١.

ولمن لا يعرف من هو “علي محمد الجعكي” فهو أحد قامات القصة القصيرة في ليبيا.. ابن مدينة الخُمس، الذي لايعرفه أحد من حولي.

وجدت أمي كتابه بين مجموعة كتب، أحضرتها لي كطفل يتيم وجد على باب جامع. قالت لي: أمينة، احضرت لك كتب جديدة.. أمينة، هل تقرأي الكتب التي احضرها لك؟.

لم أكن أقرأ الكتب نظرا لإنشغالي، ولكني التقطت “سر ماجرى للجد الكبير” لصغر حجمه وسهولة اخفاءه بين أوراقي الدراسية.. وبدأت قراءته في فترة انشغالي بالدراسة.

عام ٢٠١٧، لازلت أذكر أول ملامح الدهشة التي ارتسمت على وجهي من أول صفحة وأول سطر. وما حفرته قراءتي لحالة تلبس داخل رأسي.

أنا، تحدثت عن حالة تلبّس كثيرًا، وأخبرت الجميع بأنها أفضل قصة على الاطلاق، لكن حقيقة.. ثمة قصّة تسكن ببراحٍ في قلبي، قصةٌ.. ممم أقول عنها بأنها قصة شجاعة.. هذا الكاتب شجاع.. من هو؟ كيف لم أسمع عنه مسبقًا! كم خجلت من نفسي.. ولما أتذكر سيلفيا بلاث في كل مرة أقرأ فيها قصته “الشاطىء الأخر” ؟.

إنه الموت، قصة كاملة عن الموت.. يصور فيها الجعكي مشهد موته أو موت القاص.. لا أعرف تحديدا. ولكنّه مشهد دقيق.. مفصّل، أحاول الهروب منه وعدم التحدث عنه، كلما سألني أحدهم عن قصتي المفضلة في الكتاب.. أو كلما سألت نفسي عن قصتي المفضلة في الكتاب. فلا أحد يسألك عن قصتك المفضلة ل علي محمد الجعكي.

قرأتُ خبر موته صباحًا.. في تعليق على منشور لي على الفيس بوك، أبحث فيه عن مجموعته “أموت كل يوم”. لم أجدها حتى الآن.

“يا لهذا الزمن الرديء المهلك!”

نص من قصّة “الشاطيء الأخر” المشهد الأخير:

” ضوضاء محببة تعم الشاطىء.. ”

رجل شجاع نبيل، وصف حالة الموت بدقة متناهية.. لا ترى الموت في كثير من الكتب.. أقصد مراحل الموت.. أو مايشعر به الميت. مالذي شعر به الكاتب أثناء كتابته للقصة؟.. انه أمر خانق حتمًا.

قرأتُ الكثير من الكتب، لكن لم يمر وصف مراحل لحظات الموت الا عند سيلفيا بلاث “الناقوس الزجاجي” عندما دونت لحظات انتحار البطلة. والإن، الجعكي.. في الشاطىء الأخر. كان يعرف بأن لقاءه مع جدته يعني موته.. لكنّه فضّل ذكر ذلك بتفاصيل دقيقة.

يا له من رجل شجاع. لم يهرب من الموت.

رحم الله علي محمد الجعكي رحمة واسعة، وجزاه الله خيرًا عن كل حرف كتبه وأمتعنا به. وليخلّد أسمه كأحد أفضل القصّاص الليبيين وإن لم يكن أفضلهم جميعا.

قراءة: لا أحد يملك الوقت في بلاد العجائب.

هل من الممكن أن يموت شخص بسبب نقص حاد في الكلمات مثلا؟ أو بسبب الإستخدام المفرط بشكل سيء لها؟ أن يختنق مثلا، أثناء غضبه وصراخه المستمر، أو أن يولد بمخزون محدد لعدد الكلمات المستهلكة.. مثلا. كل هذه أمثلة وفرضيات مقلقة.

آليس في بلاد العجائب:

تمثّل الفضول المباغت في شكل أرنب مرتديا بزة وممسكا ساعة، حرّك الصغيرة التي تتسائل وتفكر بشكل مستمر، إلى أن أسقطها في حفرة.

هُوّة، كانت تسقط أكثر فأكثر.. فأكثر.

لم تُمانع “آليس” سقوطها داخل جُحر الأرنب، بل على العكس، إستمتعت بوقتها ولم تكن على عجلة من أمرها. على عكس بلاد العجائب التي وصلت لها، فالجميع هناك لا يملك الوقت، بل الوقت يملكهم، بالشكل الذي يجعلك تخاف من إنسيابه بين أصاعبك وألا تنتبه له. الأمر مخيف حقا.

أنت الآن في بلاد العجائب، تركض مع الصغيرة، تخاف من المجهول “الوقت” وتبحث عن لا شيء.. لكنّه الفضول.

بدءا من الأرنب الذي كان على إستعجال ليلحق بالموعد مع الدوقة، مرورا بالحيوانات التي إلتقتها في طريقها والتوأم.. وصانع القبعات. أوه، صانع القبعات.. وحتى الملكة.

مشت آليس، حتى وصلت إلى طاولة صانع القبعات بأعجوبة، لا تستغرب هذا، فاليوم كان كله مجرد أعجوبة. كانت الطاولة كبيرة، وتحيط بها كراسي كثيرة، لكنّ ولأن الجالسين عليها لم يكن لديهم الوقت لإستقبال ضيوف جدد، حاولوا إبعاد “آليس” قدر الإمكان عنها، لكنّ الفضول، مُحركها، لم يجعلها تغادر المكان حتى تجلس على الطاولة وتشرب الشاي معهم.

في الحقيقة، حاولت… ولكنّ الفوضى التي تعمّ المكان عكّرت عليها صفو شُرب الشاي.

على الطاولة حلقة مستمرة من شرب الشاي. فالساعة تشير دوما إلى السادسة، موعد شرب الشاي كما قال لها صانع القبعات. مضت آليس في طريقها بعد لقاءها الغريب معهم، لكّن الحفلة إستمرت من خلفها.

ساورهم الفضول قليلا لمعرفة قصة الصغيرة، لكنّ الوقت يملكهم أيضًا، ولم يسعفهم لمعرفة ما وراءها.

يحجز الوقت صانع القبعات، وأرنب مارس الوحشي ومعهم فأرهم الصغير على الطاولة، في حلقة مستمرة طوال الوقت تتضمن تمرير أكواب الشاي والخبز المحمص وبرطمانات المربى، مشيرًا دوما للساعة السادسة.

أيّ عقابٍ هذا؟ أن تجلس مكانك، وترى الجميع يمضون في طريقهم من حولك، وأنت جالس بلا حراك.

لم تَكن الملكة التي مرّت بها آليس نهاية رحلتها تملك الوقت أيضا لمحاكمة شعبها، بل كانت تعاقبهم جميعا بعقاب واحد، “فليقطع رأسه” تقول، من دون حتى أن تلتفت أو تُعيد التفكير مرة ثانية.

إلتقت آليس بالملكة أثناء بحثها عن طريق ليعيدها لما كانت عليه مسبقا، لكن.. من هي آليس حقا؟ لم يُعجب الملكة بحث آليس المتواصل عن طريقها، ولا عن فضولها وأسئلتها المتكررة، عرضتها على المحكمة لأول مرة، لكنّ الملكة كانت ترى في ذلك إضاعة للوقت

“فليقطع رأسها”، أيضا.. بكل سهولة.

سقطت آليس في جحر الأرنب الذي تمثل في شكل كرة بيضاء من الفضول.. ونحن الآن ساقطون داخل جُحر الأرنب. ومتواجدون كما آليس في بلاد العجائب، لكننا ظللنا الطريق. أو لم نستيقظ من دهشتنا حتى الآن.

وبالنظر إلى قصة آليس في بلاد العجائب الآن، وبعد مضي عدة أعوام، فإن البعض لازال يظن بأن آليس هي قصة الصغار فقط، لكنها قصتنا جميعًا إنها نحن .. ولكل منّا بلاد العجائب الخاصة به. إنها مجنونة، ومُلهمة وحزينة.
” لا أستطيع العودة إلى البارحة، فقد كنت شخصًا مختلفًا وقتها. “

وفي سقوطنا المختلف أشكاله عبرة.

“عِبرة..” كلمة مبتذلة، لا أملك مرادفها حتى الآن.. بداية نقص حاد في الكلمات.

//

موسيقى: كل الوداعات ليست مفاجئة:


https://soundcloud.app.goo.gl/KVpoe

امتنانات المدونة عام – 20-20

What do you do with the mad that you feel, when the whole world seems so wrong?

هذا العام، منذ بدأه، إستقبلت مدونتي هدايا ومشاركات مميزة، وحرّى بي مشاركتها إياكم:

الأولى من الرائعة صاحبة الصوت الجميل إيمان كشلاف قامت بمراسلتي لرغبتها بقراءة نصوص نشرتها على المدونة، وتسجيلها صوتيا على الساوند كلاود كانت بادرة يملؤها اللطف.. أسعدت قلبي الذي إمتلأ بالفراشات.

كان ل ريتا أيضا نصيب من هذه الهدايا، فقد قام مالك الحداد برسمها كما تخيلها أثناء قراءته للقصة.

ريتا جالسة أمام عتبة باب منزلها، بعينين تملؤهما الدهشة ونملة تجلس بأريحية تامة على أنف حذاءها الصغير، وعنكبوتة تنسج بيتها في الزاوية فوق رأسها.. كان لهذه الرسمة آثرًا طيبًا في نفسي، أسعدتني للغاية حتى وضعتها واجهة هاتفي. أتذكر دائما بأنها ولدت من رحم أفكاري، وأنا أكتب.

قامت الرائعة، المميزة في إختيار كلماتها الصديقة هالة بنشر أحد النصوص من المدونة، تواصلت معها هدى التي رغبت بدورها التواصل معي لأخذ الموافقة ونشر القصة القصيرة في صحيفة الديوان العدد ٧٨ . سُعدت بذلك كثيرا، لم يسبق لي النشر في أي صحيفة مسبقا. الإمتنان أولا لهالة لثقتها بما أكتب ومشاركتها إيّاه.

وفي الحقيقة، هذه ليست المواقف الأولى التي أمر بها بصحبة المدونة، فقد مرت عدة سنوات منذ إنشائنا للمدونة، وفي كل عام أستقبل رسائل مميزة من أحد القراء العابرين. مرني يومها أحد وترك لي رسالة على الانستغرام، مفادها:

هذا العام -كما ذكرت مسبقا- لم أخطط لشيء.. لحسن حظّي. جعلت الأمور تأخذ مجراها.. لم أضغط على نفسي في شيء.

أتممت عملي في المنزل، ثم قدمت على وظيفة كمعلمة فصل، إشتغلت لمدة ٣ أشهر. ثم إستجمعت قواي وقدمت إستقالتي. لم أكن سعيدة،

إستمتعت.. كانت تجربة مميزة جدا. سأشتاق للجميع.. وأطفالي.


Jana: miss! Can you open the whiteboard? I want to write something too.

Me: Ok..

Jana:

“Miss, when you go to class, take your coffee and sit on your chair, you find papers papers papers.. papers everywhere”

ذُكرت في تدوينتين هذا العام..:

قصة علي الأعرج

لوركا؛ من خديجة..

اليوم الأخير من هذا العام الغريب، وبداية جديدة في عمل جديد، أتمنى أن تجري الأمور بأفضل صورة. كل عام ومن يقرأ هذه التدوينة بصحة وعافية.. إنّ أفضل مايمكن أن يتمناه المرء لشخص أخر، هو دوام عافيته.

New year’s resolution.

Illustration by: Keith Negley

By the end of the year, the boy gathered all his precious things and he put them in a box.

Everyone was so fascinated about how big is the box, and how small is the boy.

He brought a chair and a table and sat at the corner of the street trying to sell all his items. You know, it’s the time of the year where people start selling and exchanging things. But no one dared to buy something of him.

Every time, someone approaches him to buy something, the boy gets excited and he opens the box. Once he opens it, a loud scream comes out, his things starts crying nonstop and raging.

So he closes it, and the person takes a step back and run.

By the beginning of the new year, the boy carries his box filling it with one last thing -his disappointment- and moves on to his home, putting the box underneath his bed, while grabbing a bigger one to start fresh.

سر ماجرى للشيخ الكبير (قصة قصيرة)

يحمل الشيخ إبراهيم الكتب إلى شقته ويضعها داخل صناديق كرتونية. شقته مكتنزة بالكتب، تغطي الصناديق الجدران، والنوافذ.


أحيانا، يتداول الجميع الحديث عن سقوط بعض الكتب من شقة في الدور الرابع، داخل العمارة المطلة على الشارع الرئيسي. يتجمع الجمع لصعود الدرج، طارقا باب شقة الشيخ إبراهيم. يفتح الباب ممسكا كوب فارغ، يقوم بتعديل نظاراته، ومن ثمّ يبدأ الحديث الذي يصل صداه حتى نهاية الشارع. لا يستقبلهم، فليس ثمة مكان يتسع لكل هذه الجثث، يعايرونه بصرف كل هذه الأموال على الورق، ينفخ صدره، ولا تصدر منه أي ردة فعل، فقط يطمئنهم بأنه سيتوقف عن فتح النوافذ، وربما.. ربما.. سيتوقف عن شراء الكتب.


إلا أن الشيخ إبراهيم حقيقة، لم يشتري كتابًا يوما في حياته، وكل هذه الكتب عبارة عن تجميعات يقوم بالحصول عليها كل صباح أثناء جولته التفقدية حول المدينة.


على طاولة المطبخ، يجلس لأكل الفطور، تغطي الطاولة خريطة صفراء اللون لمدينته الكبيرة “بنغازي”، يضع عليها نقاط حمراء تشير إلى توزيع المدارس في المدينة. فبعد الثورة أُهملت المكاتب في المدارس، وأُلغيت حصة المكتبة.. فيما عادا القليل جدا.


إسترق السمع لحديث جارته المعلمة، التي كانت تحادث جارتها عن أن الكتب الآن تُرمى في الشوارع، وحتّى أنّ المدرسة التي تعمل بها، رمت الكتب داخل فصل كبير جدا، بسبب الصيانة التي لازالت مستمرة منذ ثلاث سنوات.


“لم يعد أحد يقرأ الكتب في وقتنا الحالي!.. للأسف”.
إخترقت العبارة طبلة أذن الشيخ واستقرت بداخل أذنه وأخذت براحًا..
لحق الشيخ ابراهيم جارته صباحا، وعلم مكان مدرستها، وعند حلول المساء، تسلس داخل أسوار المدرسة المنشودة، بحقيبته الجلدية ومصباح صغير ينير له طريقه. يفتح كل باب فصل يمر بجانبه.. وهكذا استمرّ إلى أن وجد مراده.


فصل كبير جدا، يتوسط الفصول الدراسية الصغيرة، ممتلىء بالكتب التي تغطيها الأتربة، أمضى ليلة كاملة يعاينها، لم يكن لديه الوقت الكافي للإختيار، وقراءة ملخاصتها، ثمّ حمِل منها ما حمِل وتوجه إلى شقته عائدا، فرحا لما تحمله يداه.


وهكذا، يقوم بعمله هذا كل يوم، متنقلا من مدرسة إلى مدرسة، صباحا يجلس لإعداد الفطور، يأكل ويقرأ كل ماتقع عليه يداه، حتى أنه في مجالس الشيوخ أصبح يجلس متحدثا عن …… وعن …… وعن…… يستغرب الجميع هذه الأسماء، يرمون أوراق اللعب، ويسألونه عنهم، لكنه أيضا لا يعرف من هم، فقط يعرف مايكتبون.. فيبدأ بالحديث عنهم من شخصياتهم الروائية التي يكتبون عنها أو من الملخصات المذكورة عنهم على الأغلفة.


لم يمضي عمل الشيخ إبراهيم بإحتجازه للكتب هكذا، يحمل حقيبته البنية ليلًا، ويخرج متوجها نحو مدرسته التالية، يقص طريق الساحة الخلفية المليئة بالأشجار، كغابة صغيرة تسكنها الذئاب ليلا، ينتبه إليه بعض السكارى والحشاشين، ثلاثة، صغار في السن، يربطهم ببعضهم البعض رباط مطاطي وإبرة واحدة، إنتبه أحدهم لوجود الحقيبة، وفكر..
“ربما سنجد عند ذلك المسن المال، لنشتري الإبر، والرباطات”
لحقوه، حتى إستأنس داره، ووجد الكتب، وما إن دخل وبدأ بإلتقاط ماتمد له يديه، حتى أوقعه أحدهم ضربا، وسقط مغشيا عليه. فتشت حقيبته، وملابسه، ولم يجد عنده شيئا.. ماعادا ورقة وقلم حبر جاف، وكتاب. أمسك أحدهم الكتاب ورماه على وجهه.. و رحلو.


استيقظ المسن، وأمام غبش عينيه يظهر شيئا فشيئا عنوان لكتاب ينام مستندا على خده، يفتح عينيه تماما، ويستيقظ.. الشمس على وشك الشروق، سيرن الجرس بعد ساعتين، ويبدأ الجميع بالتوافد على المدرسة، سينكشف أمره.. أخذ الكتاب ونهض ينفض التراب من على رأسه وكتفيه وبنطاله، رماه في الحقيبة، وخرج مسرعا يبحث عن ممر آمن.


ما إن عاد إلى شقته، حتى نفض الكتب الموجودة على الأريكة وأتاح مكانا له، جلس يتأمل السقف، وسبب نجاته. صلّى، وشكر الله، ثم أعطاه ميثاقا بأنه سيتوقف عن سرقة الكتب العامة.


ثم فكّر من جديد، وحاور نفسه بأنها ليست سرقة بل مايقوم به لهو فعل بطولي، إنه حامي الكتب من سوء الإستعمال والإهمال. ثم جلس بقية أيامه يفكر بالذين أبرحوه أرضا.. “شرطة؟.. آمن داخلي!!” يقول محدثا نفسه بقلق، “لكن من أين؟”.


يفتح حقيبته ويتصفح الكتاب الذي يظن بأنه قد أنقذه من الموت، يقرأ العنوان “سر ماجرى للجد الكبير” يفكر كثيرا، ثم يضع الكتاب على الطاولة، وينتبه-لأول مرة- لضيق شقته. يحاول التنفس ولكن يفشل في ذلك، يتوجه نحو المطبخ ويقوم برمي الخريطة التي ترسم معالم المدينة، تسقط الدبابيس الحمراء أرضًا، مخلفة خطًا من وراءه يقود إلى سلّة القمامة. يواصل تنظيف شقته، يفتح النوافذ ويبدأ بإسقاط كل الكتب في الشارع، تشكل هرمٌ من الكتب أسفل نافذته. حاول المارّة النجاة برؤوسهم، حتى طرق الجيران الباب عليه، لكنه استمر في رمي كل الكتب إلى الشارع، وما إن انتهى من عمله، حتى إزداد طرق الباب.


أغلق نوافذه، وعاد ممسكا بكوب كبير فارغ، مرتديا نظاراته، فتح الباب، وإستقبل جيرانه لأول مرة، “تفضلوا” قال ببالغ الأدب، محنيا رأسه قليلًا، استغرب الجميع، ولكنهم أيضا رغبو بالدخول ورؤية شقته التي لم يرها أحد مسبقًا.


“تفضلوا” أعاد مجددا على مسامعهم، بينما أحدهم يصرخ من الخلف متحدثًا عن نجاة رأسه من سقوط أحد الكتب عليه.. فتح ذراعيه، وعلى مديهما قادهم إلى الصالة الفارغة من كل شيء، ماعادا صالون بثلاث كنبات، وطاولة صغيرة في المنتصف عليها كتاب واحد، فارغة من كل شيء.. أجلسهم وحادثهم وضيفهم، ونسيَ الجميع أمر الكُتب في الخارج ومضوا بدهشتهم فرحين بما رأوه.


لم يعد الشيخ إبراهيم يخرج من شقته بتاتا، يعيد قراءة كتابه الوحيد مرارا وتكرارا، ويسأل ابن جارته الذي يزوره كل صباح لأخذ نقود الخبزة والحليب منه “هل تعرف سر ماجرى للجد الكبير؟*”. يجيب الصغير بالنفي، ثم يؤكّد الشيخ على أنّه أيضا لا يعرف شيئًا..
“لكنّه أنقذني” يقول.. مؤكدًا على ضرورة احضاره لخبز ساخن.