ملح تشرين الأول..

قياسي

Art work by unknown.

مالذي يحدث بعد شروق الشمس؟
تستيقظ العصافير لتزقزق.
ماذا عن الغيوم في السماء.. المتراكمة..
قادمة من أين؟
مخلفاتُ معركة من الليلة السابقة..
ربما.
لكن من أين تأتي الأمطار؟
تنهمر من عيون أم ثكلى
أو من فتاةٍ فُقدت داخل لوحة
ربما أيضا، من طفلة دُفنت طفولتها
تحت التراب مبكرًا.
أمطار تشرين الأول
تختلف عن سابقاتها…
تزن حباتها المتساقطة
خمسة كيلو غراما
يفصل الماء عن الملح
يستقبل الرجال تلك الأمطار
بأكياس كبيرة.. جامعين أكبر قدر ممكن.
إنه موسم الملح،
وموسم الحرث إقترب.
لازالت تتسائل..
من أين تتساقط الأمطار؟
لا معطف يحمي منها
ولا مظلة
ولا يد تمسح الضرر
ولا قبعة..
لؤلؤ متناثر..
على خدِّ كل فتاة
لؤلؤ مرتب أفقيا..
أسفل أجفان العجوز.

الإعلانات

الشعور بالكتابة. كيف؟

قياسي

Art work by the lovely: Kathleen Lolley

عندما أتحدث عن الشعور بالكتابة، فإنني مؤخرًا دائما ما أشبّه الأمر بوجود عثّة قمرية في معدتي.. لا تتحرك إلا عندما أفكّر. تريد الخروج، تحاول كثيرًا، لكنّها عالقة بين الكلمات والأحرف المبعثرة. تتوقف عن الحركة بتوقفي عن التفكير. ثم وما إن أبدأ بوضع كل مافي رأسي على ورقة، حتى تبدأ تخف حركتها شيئا فشيئا.. أشعر بها الآن أثناء الكتابة.. لا تتوقف حتى أنتهي من إخراج كل شيء. وما إن أفتح فمي للتنفس الأخير بعد كتابة أخر حرف من أخر كلمة، حتّى ترى النور المنبعث من حلقي وتخرج بإتجاهه.

شيء ما يشبه سِناج المداخن.

قياسي

Illustrated by Unknown.

.

.

رأسي يطير
يحلق دائما
ثم يعود مجهدا، مثقلًا لينام على كتفيّ.
أحاول تمسيده
لكنّ يداي مكبلتان.
لا يمكنني تحريكهما.
أحمل في حقيبتي دائما
أحمر شفاه، و الغضب المتراكم بداخلي.
وبعض الأحرف المتناثرة..
بإمكاني أن أقول كلمة.. أو كلمتان..
لكن واحدة فقط معلقة في رئتاي.
تضيّق عليّ الخناق.
تتراكم كألياف الأسبيستوس يوما تلو الآخر.
وتمنع عنّي إكمال ما أريد قوله.
ح ر يّ ة
فزع الطبيب من رؤية صورة الإكس ري
ووجهه المصفر يتحدث دون صوت
بدأت الكلمات تملأ الفراغ الذي يحاوطنا
فوهة سوداء تملأ القفص الصدري
صرخت الممرضة..
إن بداخلها أمر يشبه سناج المداخن..
يأكل رئتاك شيئا فشيئا..
هل أنت حيّة الآن؟ أم جثّة على وشك السقوط؟
تنفسي
تنفسي
ببطء شديد، حتى تخرجين مافي داخلك
ليس ثمة علاج لذلك..
لكن توقفي عن إستخدام الكلمات
ثبتي رأسك بدبابيس على كتفيك جيدا
ثم لُفيه بحبل وثيق يمتد حتى قدميك
وضعي عليه منشفة.
ولا تفكري..
توقفي.
حتى تخرجي مافي صدرك
حرف الحاء
ثم الراء وهو الأصعب.
يليه الياء..
ثم التاء المربوطة
ستشعرين بأن أمعائك على وشك الخروج
لكن.. ليس ثمة علاج لهذا أيضا.

غيمة روميا “قصة قصيرة”

قياسي

Illustrated by: Pia Valentinis.

..

سقطت غيمة من السماء بعد ليلة عاصفة طويلة، مليئة بالأمطار والبرد. أضاعت طريقها في تلك الليلة الزرقاء. إنتشلتها الريح، وأطاحتها أرضا بعيدا عن عائلتها ومن تُحب.

وما إن جفّت الشوارع، حتى ظهرت على العيان. غيمة صغيرة شاحبة اللون.. تبدو صوفيّة الملمس لكنها على العكس تماما.. تبدو أحيانا إذا جلست عليها بأنها قد تقذفك إلى الأعلى، لكنها على العكس من ذلك أيضا. بدا التعب على تلك الغيمة، حتى إلتقطتها طفلة صغيرة. أحضرت روميا الغيمة الى المنزل.. صرخت بصوت مرتفع “لدينا دمية جريحة، أمي.. دمية جريحة” ركضت الأم بإتجاه طفلتها فزعة.. والهلع يملأ وجهها… ولم ترى شيئا. كانت روميا تحضن الغيمة بكل ماتملك من قوى، تربت عليها كلما سنحت الفرصة.. بفستانها السمائي الملطخ باللون الأبيض، تحولت الغيمة لنفس اللون حتى انها انغمست في الفستان. يخيل للرائي أن الطفلة لا تحمل شيئا بين يديها.. لكن روميا كانت تشعر بثقلها بين أحضانها.

عادت لغرفتها بعد أن أخذت درسا طويلا عن مضار إرتفاع الصوت المفاجئ للأخر.. ووضعت دميتها تحت الوسادة. كانت كلما إستيقظت صباحا وجدت صوفا أبيض اللون تحت الوسادة متشح بقليل من السواد، والسرير مبلل.

.. كانت روميا تضع دُميتها أسفل الوسادة كل ليلة، وهي تدري لما سيؤول عليه صباح اليوم التالي والسرير مبلل بالكامل. حتى ضحك عليها الجميع، وظنّ والديها بأنها تعاني من التبوّل الا إرادي. وبعد كشف متواصل أدّى إلى اللاشيء.. أخذت روميا غيمتها التي كلما إحتضنتها تحولت إلى اللون الذي ترتديه، ووضعتها في صندوق أسفل السرير، وأغلقته بإحكام.. كانت روميا تشعر بالغضب الشديد، وتبكي كلما أخرجت الصندوق لتلمسه.. إذا كان مبللًا أم لا.

فتحت الصندوق في ليلة شتوية باردة، وإحتضنت دميتها، وغفت.. تكونت بركة من المياه، بدأت تكبر شيئا فشيئا، حتى إرتفعا إلى السقف، وساقتهما الريح وصعدا إلى السماء معا.

صباحات فوضية

قياسي

أستمع دائما لصوت أفكاري في الصباح.
يبدو لي بأن ضجيجها يعلو في الصباحات الباكرة على عكس الليالي المتأخرة الطويلة.. حيث يسكن كل شيء، وينقطع حسها.
لكنّي إستيقظت اليوم على شجارٍ دار بينها.. تتقافز هنا وهناك.. شعرتُ بالإنزعاج والقلق الشديد ثم إستيقظت.
تتقافز هنا وهناك.. الأمر أشبه بإيجادك لجثة ملقاة أول مرة.. فزع.. وقفز.. وتصفيق.. هل جربت ذلك؟

تعمل كمنبه داخلي: إستيقظي إستيقظي..

ساعتان كافية… ساعة تكفي…. ثلاث ساعات كثير جدا.. حان وقت الإستيقاظ.

إنها الخامسة.. السادسة.. السابعة والنصف. إستيقظي لأننا على وشك الرحيل…

Bluebird // Charles Bukowski

قياسي

there’s a bluebird in my heart that wants to get out

but I’m too clever, I only let him out at night sometimes
when everybody’s asleep
I say, I know that you’re there
so don’t be sad
then I put him back
but he’s singing a little in there, I haven’t quite let him die
and we sleep together like that with our
secret pact
and it’s nice enough to make a man
weep
but I don’t weep
do you?

بائعة الكلمات “قصة قصيرة”

قياسي

By me

لم يتركا والدا وورسيلا لها منذ رحيلهما شيئا، ما عدا منزلا صغيرا به غرفتان، واحدة للنوم والأخرى مليئة بما يحصلان عليه كلما ذهبا في رحلتهما الصباحية نهاية كل أسبوع. تتذكّر وورسيلا مشهد إنتظارها لهما عند المساء. يعودان محملين بالكثير من الغنائم في رأسيهما.. فارغي الأيدي. تستقبلهما فرحة.. وتسألهما: ماذا أحضرتما لي؟ ماذا أحضرتما لي؟ يردّان: أحضرنا لك الكثير. “أين؟” تسأل وورسيلا بقلق “لا أرى شيئا! هنا”. تضحك الأم، وتشير نحو رأسها. يدخلان إلى الغرفة ويقفلانها ولا يخرجان منها إلا عند صباح اليوم التالي. تلك الغرفة لطالما كانت محل فضول بالنسبة للصغيرة، مالذي يحدث خلف أسوارها، وعلى ماذا تحتوي تحديدا؟ ولما تنبت أوراق خضراء على جدارنها؟
في ليلة غائمة، أمام عتبة المنزل، إنتظرتهم وورسيلا بضفيرتيها الذهبيتين، لكنهما لم يعودا. مرت الأيام والأسابيع. ولكن شيئا لم يحدث.
دلفت الصغيرة المنزل، وجلست متسمرة أمام الغرفة. بعد عدة دقائق، نهضت وبدأت تبحث عن المفتاح. وبعد محاولات كثيرة فاشلة. عادت وجلست أمام عتبة منزلها، منتظرة عودتهما من جديد.

دخلت من جديد، تحمل قلبها المثقل بالحجارة بين يديها. إقتلعت باب الغرفة غاضبة. ظنت أنهما.. ربما، إبتلعتهما الأوراق والكتب بداخلها. لكنها كانت مخطئة. الغرفة.. خضراء. جنّة صغيرة. جدرانها ناصعة البياض، تعانقها مكتبة خشبية ممتدة حدّ السقف، ما إن تمد يدها لإلتقاط أحد الكتب حتى يطير الغبار والفراشات. تفتح الكتاب تلو الأخر، وتتمدد منه أغصان طويلة بنيّة اللون، وأوراق صغيرة خضراء.. تتفتح الأزهار البريّة الواحدة تلو الأخرى.. تلتقط هندباء، تنفث فيها وفي قلبها أمنية. رقصت بين أحضان الأوراق والفراشات، حتى لمحت الجرّة في زاوية الغرفة. تحركت بإتجاهها بدهشة صغيرة، تملؤها الخيبة.. ما إن أمسكتها، حتى نفث منها شعاع خافت.. تطلعت بداخلها و بدت لها أوراق صغيرة مطوية بها الكثير من الكلمات. كل ورقة تحمل بداخلها كلمة. حرّكت الجرة قليلا، ووجدت صناديق صغيرة مرتبة بالأرقام فوق بعضها، فتحتها الأخرى ووجدت أوراق صغيرة أيضا و مطوية وبها كلمات أخر. دُهشت لما تراه عيناها. فكّرت بما قد تفعله بكل هذه الكلمات. مضت ليلتها وهي تقرأها، وفي كل مرة تقرأ إحدى الكلمات حتى تشعر بتشكّل فقّاعات داخل رئتيها تخرج بخروج الكلمة من حبالها الصوتيّة.. فكّرت كثيرًا، بما قد تستفيد به من هذه الأوراق الصغيرة. وبحثت في الغرفة حتى شروق شمس صباح اليوم التالي. عزمت بعد ذلك، وبعد بحث طويل، أن تذهب إلى القريةِ التي تحدّث عنها الجميع ووالداها، حيث لا يسكنها إلا من نقصتهُ كلمة، ولم يستطع إتمام جُملته.

وضعت في حقيبتها خبزا محمصا، وعلبة مربى البرتقال التي تركتها والدتها على الرف قبل أن تذهب، وأفرغت كل الصناديق والجرات في حقيبتين صغيرتين، وماتبقى من الأوراق وضعتها في جيبيّ المعطف. أقفلت باب الغرفة، وباب المنزل وخطت خطواتها الأولى في الطريق، ضائعة، محاولة لملمة شتات نفسها.. قليلا قليلا، حتى وصلت.

وما إن حطّت قدماها على الأرض الواسعة المملوءة بالمنازل الخشبيّة، حمراء اللون، حتى بدأت بالبحث عن من تنقصه كلمة؛ لتبيعه الكلمة المناسبة ويُنهي حديثه. كان الجميع يعاني من تلك اللعنة، أحاديث غير منتهية. جلست في الساحة، رفعت يافطة كُتب عليها بخط كبير “الكلمة بخمس دراهم”.. إنتظرت.. لم ينتبه لها أحد. ثم، وبعد مرور عدة دقائق طويلة.. توافد عليها شخص، ثم إثنان.. ثلاثة.. ذاع صيتها، الجميع فرِح والدراهم تتساقط على رأسها كحبّات المطر، وهي ضاحكة متبسمة.. بيعت الكلمات في سبع دقائق. الكثير الكثير من الأحرف المتلاصقة. الجمل الناقصة إنتهت، كل الأحاديث والنقاشات حُلّت. أحدهم حصل على وظيفة، الأخر تزوّج.. الأخر أعرب عن قلقه.. الجميع تحدّث.. و الصغيرة فرِحة بما صنعت.. حملت يافطتها وحقائبها الصوفيّة الفارغة من الكلمات، وحقيبتها المملوءة بكسر الخبز المحمص والدراهم. عادت إلى المنزل، ومن وراءها حفل راقص، وأغاني وأحاديث مطوّلة في القرية التي لن تنام بعد الآن. وبعد يوم كامل من الإحتفالات.. دخلت لباحة المنزل، ألقت كل ماتحمله على الأرض، ركضت نحو الباب الذي فتحته بقوة.. أرادت أن تنادي على والديها لكن شيئا قد حدث.. شيئا قد إختفى، الغرفة الخضراء أصبحت مُظلمة.. الكتب أصبحت مجلدات جافة فارغة يأكلها السّوس. الكثير من الصناديق المبعثرة. والأوراق اليابسة والأغصان المتناثرة بلونها الأسود. أرادت أن تنادي على والديها.. لكن الكلمات قد رحلت. الحروف إختفت. الفقاقيع ماعادت تتشكّل. وصوت عويلٍ خافت يتردد صداه من طفلة صغيرة، يُسمع في كل ليلة أمام منزل يقبع في وسط الغابة. ذيع صيتها مرة أخرى. لا يمرّ من أمامها إنس. تصطاد المارّين لتنزع كلماتهم، حتّى تقوم بكتابتها من جديد في ورق صغير وتُلقي به في جرة.