دعسوقة ذات السبع مجوهرات “قصة قصيرة”

قياسي

Photo: Unknown.

حدث هذا في ليلة مظلمة، الغيوم -ولسبب مجهول- ظهرت ليلًا وغطّت السماء المتوشحة بالسواد، وعملت على تقسيم نفسها إلى كُتل ومجموعات صغيرة، محاولة أن تحجب ضوء القمر، وأن تُغلق أعين النجوم عما يوشك أن يحدث. تجمّعت الدعاسيق في شكل نصف دائرة، لتشهد ميلادَ الدعسوقة المنتظرة. من إن خرجت، حتى صرخت بصوتٍ دافيء. صغيرةٌ جدا، وبرتقالية كالأخريات.. لاشيء مميّز حتى الآن. إلا أنّ ولادة الدعاسيق انقطعت عن الأرض منذ مايقرب الثلاثين عامًا. خرجت، وعلى ظهرها تشكّلت سبع نقاط، لم تكن كالبقيّة! الآن هي مميزة.. كانت تلك النقاط المتكوّرة عبارة عن مجوهرات.. بدا للجميع بأنها تُشّع. إنها فعلًا مرصعة بالمجوهرات.. سكتت الرّيح، وسكنت الأرض عن الحِراك. توقف الجميع عمّا كانوا يفعلونه، وبدت الأم قبل وداعها الأخير وقد فقدت بصرها، تلتمس ظهر ابنتها، محاولة التأكد مما يقوله الجمع المندهش، فاغر الفاه. فزعت.. وجلست تُكوّر كُوَرًا من الطّين؛ لتغطي بها كل جوهرة. وهكذا.. كلما غطّت سقطت التي من قبلها وُضعت. جلست الأم قِبالة النسوة، طالبتا أمرًا أخيرا، قبل أن تفقد حياتها.. قائلة: زارت الأرض عرافةً قبل ثلاثين عامًا، دار بينها وبين الملكة خِصام. ألقت لعنتها على الأرض، وقطعت النسل، وأخبرت الملكة قبل مغادرتها، بأن دعسوقةً ستولد بعد ثلاثين عامًا، جميلة.. برتقالية زاهية اللون، كأنها مقطوفة من شجرة برتقالٍ في يومِ شتاءٍ مُشمسٍ دافيء. تُغطّيها مجوهراتٌ سبع، بدلًا من النقاط السوداء. تولد بإمتيازات.. ستأخذ أرضك، وتجلس على كرسيكِ. فخذوا ابنتي قبل أن تعلم الملكة، وتأمر بقتلها. ضعوها فوق سفح الجبل، بين وريقات الشجر، ولا تقلقوا فأينما حلّت إخضّر الزرع، وتوفّر الأكل، وحلّقت الفراشات طيلة بقاءها في المكان، لكن لاينتزع أحد منكم منها جوهراتها السبع، فإن إنتزعت إحداهن تأكدت التعويذة، وسقط البقيّة، وغابت الحياة”.

لكنّ الأرض ما إن استيقظت من دهشتها، حتّى عمّ الخبر بين الجميع، ووصل إلى الملكة، التي شعرت بذعرٍ شديد سرى بين أجنحتها.

رحلت الجوهرة مع الدعاسيق الأخرى إلى الجبل، واستقرّت هناك. كانت تلك البقعة من بين البقع جميعها، مُخضرّة دائما.. ربيعها دائم. بشمسٍ وقمرٍ مستقلّين تماما. لم تجد الملكة صعوبة في البحث عن مكانها، فقد أرسلت غربانها للبحث عن البقعة دائمة الخضرة التي ذيع صيتها برائحة العشب الرطب، والشمس الدافئة صباحًا، وقمرها المشع ونجومها الراقصة ليلًا.. شُعاعٌ ممتدٌّ إلى السماء، يصعدُ من ظهرها، خارجًا من كل جوهرةٍ، وبألوانٍ مختلفة.

وبعد رحلة لم تدم إلا بضعًا من الأعوام، ظنّ الجميع بأنّ الملكة نسيَت أمر الدعسوقة، لكنّ أحد الغربان عاد بالخبر، وبالمكان الصحيح.. فأرسلت وراء باقي الغربان الأخرى.. تجمعت أمامها سبع غرابيب سود، وقالت لهم والخادمات يمسحن بقعها السوداء الموجودة على ظهرها بحذر: لكل واحدٍ منكم جوهرة، إنزعوا منها المجوهرات وأحضروهنّ لي، ومن يعد بجناحين فارغيّن، سيقطعُ رأسه ويُنتف ريشه، ويُطعم للنار.

لكنّ الغرابيب عندما ذهبت، لم تستطع نزع المجوهرات من على ظهر الدعسوقة، كانت كلما إقتربت، صدّتها قوى مجهولة المصدر. وكلما عاد غراب ليشتكي الأمر للملكة، أمرت بقطع رأسه. هكذا من دون أن تُعطيه فرصة ثانية. لكنّ الغراب السابع، عندما علم بوحشية الأمر الذي تناقلته الرياح، جلس سامرًا أمام سفح الجبل، منتظرًا الوقت المناسب لينتزع عنها جوهرتها. وفي غفلة منها، إستطاع أن ينزع إحدى المجوهرات.. عائدا إلى المملكة، والسرور يملأ وجهه، وجناحيه مثقلتان بالجوهرة، بسرعة شديدة، فرحًا بما بين ريشه، متخيًلا ماسيُقدّم له من ولائم. طوال الطريق، وشوشت الرياح في أذانه خوفا، وقاطعته أغصان الشجر وأنبته أثناء جلوسه عليها، غافلًا عن ما قام بفعله، متناسيًا من التي يقوم بخدمتها.

استيقظت الدعسوقة، والوهن يملأ جسدها الصغير، متحسسةً ظهرها “ثمّة جوهرة تنقصني” فزعت الدعسوقات الأخريات، هفت شعاع الشمس الساقط، والقمر أشاح بوجهه عن الأرض، وتوقفت النجوم عن الرقص. هبط شُعاع المجوهرات الست المتبقيّة أرضًا.. وأصبحت تجرجر نفسها وحيدةً، والغراب مُتربّع على مأدبة الغداء، مهلّلين له، بما فعل..

لم تكتفي الملكة، بجوهرة واحدة، فقد رأت في الغراب مالم تره في الغرابيب الأخر.. “يجب أن تعود مرة أخرى لإحضار ماتبقّى من مجوهرات” قالت الملكة وهي تعانق الجوهرة بشدّة.

وما إن سقطت الشمس، حتّى طار الغراب، عائدا إلى سفح الجبل، محلقًا أمامه وجالسًا على جذع الشجرة، مراقبًا مجددا الدعسوقة، فقد بدت له بأنها كمن يحتضر! بائسة.. وتبكي بإستمرار. غير أنها ورغم التعب الذي يأكل جسدها، لم تتوقف عن مساعدة الجميع، تمد يد العون لمن يطلب منها، وتبارك قدوم المواليد الجدد، ثمّ تعود جالسة على ماتبقّى لها من إخضرار، تتذكر أمها أحيانًا وتبكي.. تتفقّد مجوهراتها، تحاول نزعهم عن ظهرها ولكن بلا جدوى. مرّت الأعوام.. وذات المشهد يتكرر كل يوم، والغراب جالس لا يُحرّك ساكنًا.

بدأت المجوهرات بالسقوط، واحدة تلو الأخرى، صرخت الرّيح، وبكت السماء، كل يوم يُعدم طائر، ووحشيّة بلا رحمة.. الزهور تُخنق في مكانها، والأشجار تنزع منها أوراقها كرهًا، والملكة تأمر بالقتل المستمر.

ريتا ذات الحذاء الأحمر “قصة قصيرة”

قياسي

Illustrated by: Jane Massey

.

غطّى الفطر مساحات كبيرة في الحديقة. بيوت صغيرة جدا، موزعة في كل مكان. إن فصل الخريف، وعلى الرغم من قساوته إلا أنه موسم الإحتفالات.. تستقطب الجنيات الأطفال للإحتفالات، ولأخذ قطع الحلوى منهم، وكل مايلمع.

في ذلك اليوم أيضا، تحصلت ريتا على حذاءها الأحمر بعد بلوغها سن السادسة. إشترت لها والدتها الحذاء لتذهب به إلى المدرسة. كان الحذاء أحمر براق اللون، سُحرت ريتا بما رأته داخل الصندوق. دائرتان صغيرتان، مصنوعتان من الجلد ذو رائحة نفاثة، والملمس الناعم.. تُملس يديها على سطح الحذاء مبتسمة، مندهشة بما إحتواه ذلك الصندوق الكبير.

لم تجرب ريتا الحذاء، بل ركضت بالصندوق ودخلت غرفتها ووضعته بجانب سريرها. جهزت نفسها للنوم مبكرا، وتجهزت ليوم الغد.

ما إن إستيقظت، حتى فتحت الصندوق أولا.. إطمأنت على حذاءها، ومضت تكمل ما تبقى لها من مهام.

بعد الإفطار، تجهزت.. وشعرت بالحماس الشديد لتجريب الحذاء لأول مرة. صوت صدر من الحذاء ما إن أدخلت قدمها الأولى، ثمّ صوت أخر صدر من قدمها الثانية.. صوت الشريطة اللاصقة، وصوت خطواتها الأولى..

لم تزح ريتا عيناها من الحذاء، منذهلة بما تحمله قدميها، سلطت نظرها إلى الأسفل ولم ترفع رأسها إلا نادرا.. ذهبت وعادت وهي تنظر للأسفل.. حتى ظن الجميع بأنها فتاة خجولة جدا وغريبة الأطوار.

جلست أمام عتبة المنزل، تنظر لحذاءها الذي لم تتوقف فتيات الحي عن مدح لونه وملمسه.

وهي تنظر، سقطت بجانبها ورقة صفراء، بدا لها بأنها من الشجرة المجاورة، ما إن أغمضت عينها وفتحتهما، حتى سقطت أخرى بنية اللون، ثم تلتها أخرى… وأخرى.. حتى أحاطت الصغيرة وريقات ملونة، برتقالية، صفراء، بنية وحمراء.. ما ان وقفت لتجمع الأوراق وتعيدها إلى الشجرة، حتى صدر صوت خشخشة من أسفل قدميها. رفعت حذاءها ووجدت الورقة قد تفتت. أعجبتها اللعبة، بدأت تتحرك وتقفز وتخشخش.. تسحق الأوراق واحدة تلو الآخرى.. لكنها توقفت ما إن وطأت قدمها على ورقة لم تصدر صوتًا. حاولت مرة أخرى لكن لا شيء. عادت إلى مكانها وجلست تنظر الى الحذاء مرة أخرى، وإلى الورقة مرة.. حتى لاحظت مرور حشرة صغيرة، سوداء بثلاث قسمات، وستة أرجل طويلة، “نملة” قالت لنفسها.. جلست النملة على حذاءها ولم تبرح. لم يزعجها تطفلها.. رافقت تلك النملة، نملة أخرى، جلست أيضا تقابل رفيقتها على أنف الحذاء الصغير. لم تتحرك ريتا مخافة إزعاجهما. لكنهما، تحركتا، وذهبتا يختئبان أسفل تلك الورقة الخضراء. ثم ما إن مرت لحظات، حتى جاءت عنكبوتة بيضاء اللون.. رقصت على أغصان الشجرة بجانب المنزل قليلا، وهبطت على الحذاء.. إرتعبت ريتا.. لكن للعنكبوت عينان صغيرتان، تبدوان كجوهرتان مثبتتان في رأس دبّوس صغير. أغمضت عينيها، ثم بعد فتحهما.. إختفى العنكبوت. تاركا وراءه نسيج على آنف الحذاء. لفّته بين أصابعها، ووضعته على الدرج.

وقفت ريتا، وتحركت، مسلطة نظرها على الحذاء، تحركت وراء طابور النمل، الذي بدأ يتوافد من أسفل الورقة، بدا الأمر كأنه مهرجان. تحاول التحرك بجانبه، حتى لا تطأ قدميها عليه، وتقتل أحدهم بالخطأ.. مشت ريتا، من دون أن تنظر للطريق أمامها.. كانت النملات سعيدة بوجودها بجانبهم. تتسلق النملات حذاءها ثم تنزلق، ثم تأتي مجموعة أخرى للتسلق، وتنزلق.. وهكذا. تمشي، ثم تقف وتجلس أحيانا.. تصعد النملات على كتفها وأنفها، وتنزل منزلقة على الأرض. إذا ما أصغت سمعك، حتى سمعت تراتيل وأغاني تُنشد من الأرض. ففرشت الأشجار الأوراق الخريفية فراشا للصغيرة، تبادلت الخبر… “ثمة طفلة بحذاء أحمر دخلت الحديقة” فراش بأوراق ملونة، تخشخش ما ان تطأ قدمك عليها.. فراش مريح، جلب الصغيرة ناعسة من بعيد.. تحرك النمل يحمل الصغيرة على كتفيه، ووضعها على الفراش.. غطّت ريتا في النوم، بدا لها بأنها لم تنم منذ عدة سنوات.. رقصت الجنيات حولها، و رشّت تعويذات المباركة على شعرها، مسحت حذاءها من بقايا الطّين، والعشب. جلست عليه وشربت الشاي.. ثم أمرت النمل بنزع الحذاء الأحمر من قدميّ الطفلة بعناية ودقة.. أخذنه، وتركنها تغط في نوم عميق.

أعرف.. ولكن.

قياسي

Art work by: Charlotte Ager.

.

أعرف ان لاشيء من هذا سيحدث
لكنني أحلم على أية حال.
أعلم بأن ثقبا سينخر جمجمتي
لكنني أفكر على أية حال.
أعرف بأن قطع من الجمر تملأ معدتي
لكنني أقلق على أية حال.
أعرف بأن أصابعي ستتيبس
لكنني أكتب على أية حال.
أعلم بأني ربما سأمزق طبلة أذني
لكنني أستمع على أية حال.
أعرف بأن عنكبوتا سيبني بيتا على فمي
لكنني أفضل الصمت على أية حال.
أعلم بأن جسر قدماي سينكسر
لكنني أستمر بالمضي قدما على أية حال.

ملح تشرين الأول..

قياسي

Art work by unknown.

مالذي يحدث بعد شروق الشمس؟
تستيقظ العصافير لتزقزق.
ماذا عن الغيوم في السماء.. المتراكمة..
قادمة من أين؟
مخلفاتُ معركة من الليلة السابقة..
ربما.
لكن من أين تأتي الأمطار؟
تنهمر من عيون أم ثكلى
أو من فتاةٍ فُقدت داخل لوحة
ربما أيضا، من طفلة دُفنت طفولتها
تحت التراب مبكرًا.
أمطار تشرين الأول
تختلف عن سابقاتها…
تزن حباتها المتساقطة
خمسة كيلو غراما
يفصل الماء عن الملح
يستقبل الرجال تلك الأمطار
بأكياس كبيرة.. جامعين أكبر قدر ممكن.
إنه موسم الملح،
وموسم الحرث إقترب.
لازالت تتسائل..
من أين تتساقط الأمطار؟
لا معطف يحمي منها
ولا مظلة
ولا يد تمسح الضرر
ولا قبعة..
لؤلؤ متناثر..
على خدِّ كل فتاة
لؤلؤ مرتب أفقيا..
أسفل أجفان العجوز.

الشعور بالكتابة. كيف؟

قياسي

Art work by the lovely: Kathleen Lolley

عندما أتحدث عن الشعور بالكتابة، فإنني مؤخرًا دائما ما أشبّه الأمر بوجود عثّة قمرية في معدتي.. لا تتحرك إلا عندما أفكّر. تريد الخروج، تحاول كثيرًا، لكنّها عالقة بين الكلمات والأحرف المبعثرة. تتوقف عن الحركة بتوقفي عن التفكير. ثم وما إن أبدأ بوضع كل مافي رأسي على ورقة، حتى تبدأ تخف حركتها شيئا فشيئا.. أشعر بها الآن أثناء الكتابة.. لا تتوقف حتى أنتهي من إخراج كل شيء. وما إن أفتح فمي للتنفس الأخير بعد كتابة أخر حرف من أخر كلمة، حتّى ترى النور المنبعث من حلقي وتخرج بإتجاهه.

شيء ما يشبه سِناج المداخن.

قياسي

Illustrated by Unknown.

.

.

رأسي يطير
يحلق دائما
ثم يعود مجهدا، مثقلًا لينام على كتفيّ.
أحاول تمسيده
لكنّ يداي مكبلتان.
لا يمكنني تحريكهما.
أحمل في حقيبتي دائما
أحمر شفاه، و الغضب المتراكم بداخلي.
وبعض الأحرف المتناثرة..
بإمكاني أن أقول كلمة.. أو كلمتان..
لكن واحدة فقط معلقة في رئتاي.
تضيّق عليّ الخناق.
تتراكم كألياف الأسبيستوس يوما تلو الآخر.
وتمنع عنّي إكمال ما أريد قوله.
ح ر يّ ة
فزع الطبيب من رؤية صورة الإكس ري
ووجهه المصفر يتحدث دون صوت
بدأت الكلمات تملأ الفراغ الذي يحاوطنا
فوهة سوداء تملأ القفص الصدري
صرخت الممرضة..
إن بداخلها أمر يشبه سناج المداخن..
يأكل رئتاك شيئا فشيئا..
هل أنت حيّة الآن؟ أم جثّة على وشك السقوط؟
تنفسي
تنفسي
ببطء شديد، حتى تخرجين مافي داخلك
ليس ثمة علاج لذلك..
لكن توقفي عن إستخدام الكلمات
ثبتي رأسك بدبابيس على كتفيك جيدا
ثم لُفيه بحبل وثيق يمتد حتى قدميك
وضعي عليه منشفة.
ولا تفكري..
توقفي.
حتى تخرجي مافي صدرك
حرف الحاء
ثم الراء وهو الأصعب.
يليه الياء..
ثم التاء المربوطة
ستشعرين بأن أمعائك على وشك الخروج
لكن.. ليس ثمة علاج لهذا أيضا.

غيمة روميا “قصة قصيرة”

قياسي

Illustrated by: Pia Valentinis.

..

سقطت غيمة من السماء بعد ليلة عاصفة طويلة، مليئة بالأمطار والبرد. أضاعت طريقها في تلك الليلة الزرقاء. إنتشلتها الريح، وأطاحتها أرضا بعيدا عن عائلتها ومن تُحب.

وما إن جفّت الشوارع، حتى ظهرت على العيان. غيمة صغيرة شاحبة اللون.. تبدو صوفيّة الملمس لكنها على العكس تماما.. تبدو أحيانا إذا جلست عليها بأنها قد تقذفك إلى الأعلى، لكنها على العكس من ذلك أيضا. بدا التعب على تلك الغيمة، حتى إلتقطتها طفلة صغيرة. أحضرت روميا الغيمة الى المنزل.. صرخت بصوت مرتفع “لدينا دمية جريحة، أمي.. دمية جريحة” ركضت الأم بإتجاه طفلتها فزعة.. والهلع يملأ وجهها… ولم ترى شيئا. كانت روميا تحضن الغيمة بكل ماتملك من قوى، تربت عليها كلما سنحت الفرصة.. بفستانها السمائي الملطخ باللون الأبيض، تحولت الغيمة لنفس اللون حتى انها انغمست في الفستان. يخيل للرائي أن الطفلة لا تحمل شيئا بين يديها.. لكن روميا كانت تشعر بثقلها بين أحضانها.

عادت لغرفتها بعد أن أخذت درسا طويلا عن مضار إرتفاع الصوت المفاجئ للأخر.. ووضعت دميتها تحت الوسادة. كانت كلما إستيقظت صباحا وجدت صوفا أبيض اللون تحت الوسادة متشح بقليل من السواد، والسرير مبلل.

.. كانت روميا تضع دُميتها أسفل الوسادة كل ليلة، وهي تدري لما سيؤول عليه صباح اليوم التالي والسرير مبلل بالكامل. حتى ضحك عليها الجميع، وظنّ والديها بأنها تعاني من التبوّل الا إرادي. وبعد كشف متواصل أدّى إلى اللاشيء.. أخذت روميا غيمتها التي كلما إحتضنتها تحولت إلى اللون الذي ترتديه، ووضعتها في صندوق أسفل السرير، وأغلقته بإحكام.. كانت روميا تشعر بالغضب الشديد، وتبكي كلما أخرجت الصندوق لتلمسه.. إذا كان مبللًا أم لا.

فتحت الصندوق في ليلة شتوية باردة، وإحتضنت دميتها، وغفت.. تكونت بركة من المياه، بدأت تكبر شيئا فشيئا، حتى إرتفعا إلى السقف، وساقتهما الريح وصعدا إلى السماء معا.