أحلام هيرمان

قياسي

مقتطف من المجموعة القصصية للروائي الشاعر الألماني “هيرمان هسّة” –أحلام الناي– أو ماتُعرف بـ أنباء غريبة من كوكب أخر.

 

-: مُقتطف: قصّة حُلم مُسلسل :-

 

large.png

 

[…] مامن شيء يستقيم بالنسبة لي، هذه هي المشكلة.

[…] الظلمة الطيبة التي تجلب العزاء للقلب، المهد الدافىء للروح وللوطن الضائع […] تحسسي طريقك أيتها الرّوح، تجوّلي، ولاتكفّي عن التجوّل. غوصي بعشوائية في حمّام الشهوات البريئة من الإثم! أنا أعرفك، أيتها الرّوح الجبان، لاشيء ألزم لك! لاشيء أفضل لك من الطعام والشراب والنوم سوى الرجوع إلى البدايات. فهناك تهدر الأمواج حولكِ، فتصبحين موجة، وتُرسلُ الغابة حفيفها فتكونين غابةً. لاوجود لخارجٍ عنكِ، أو داخلٍ فيكِ. أنتِ تطيرين.. كطائرٍ في الهواء، وتسبحين كسمكة في الماء، وتتنفسين في الضياء، فأنتِ الضياء، وتتذوقين الظُلمة.. فأنتِ الظلام.

نحنُ نتجوّل أيتها الرّوح. ونحن نسبحُ ونطير ونبتسم. وبأنامل شبحيّة رقيقة نربط من جديد الخيوط الممزقة. ولم نعد نريد العالم! لأننا العـالم.

نحنُ نقتل ونموت مع الآخرين، نحن نُخلق ونُبعث بأحلامنا. و أروع أحلامنا هي السماء الزرقاء، وأروع أحلامنا هو البحر، و أروع أحلامنا هي السماء المرصعة بالنجوم وهي الأسماك وهو النّور الساطع السعيد، والأصوات المشرقة السعيدة، كل شيء هو حُلمنا وكل شيء هو أروع أحلامنا. لقد مُتنا وأصبحنا تُرابًا، وقد إكتشفنا الضحكَ من فورنا، ورتبنا صورة الأفلاك. والأصوات تتجاوب، وكل صوت فيها هو صوت أمنا. وينبعثُ الحفيف من الشجر، وكل شجرة منها تبعثُ حفيفها فوق مهدنا، وتتفرق السُّبل على هيئة نجم، وكل سبيل منها يؤدي إلى الوطن.

 

[…] ذلك انني فقدت على الفور رؤية الأشياء وشكلها، إذ تحوّل كل شيء إلى حيرة وإضطراب. […] كانت الظلمات والعوائق في كل مكان. واجباتٌ رهيبة ذات مغزى فاجع، ولكننها مستترة: خوفٌ وعرقٌ، شللٌ وبردٌ، موتٌ عسِر، وولادةٌ عسِرة! يالهُ من ليلٍ يحيطُ بنا بلا حدُود! وما أكثر دروب العذاب التي نسلكُها، ونغوصُ في أغوار كهف الرّوح المليئة بالحصى، بكل المعاناة الأبدية!. ولكننا.. نواصل السير. نحني هاماتنا ونخوضُ الأوحال! ونسبحُ ونختنقُ في النفايات. ونزحفُ على جدرانٍ ملساء مُهلِكة، ونبكي. وينتابنا اليأس، ونصرخُ فزعًا، ونصيحُ ألمًا. ولكننا.. نواصل المسير. ونمضي على الدرب ونتعذّب، ثمّ نستأنف السيّر، ونشقُّ طريقنا بأظافرنا وأنيابنا.


 

لقد مرّت فترة طويلة منذ ان قرأت آدب بهذا الشكل من الجمال!

يمكن للمرء أثناء قراءة كتاب ما، ان يعرف خلفية الكاتب قبل ان يتعرف عليه. هكذا هو هيرمان هسّة، فأثناء قراءتي لهذه المجموعة القصصيّة له لأول مرّة، عرفت بأن هذه الكلمات العذبة لاتنبعثُ إلا من قلبِ شاعر، ملئت الطبيعةُ روحه، تغنّت ورقصت نفسه مع صوت حفيف الأشجار وجريان نهر الراين. أنا ايضا ممتنة للمترجم “محمد فؤاد” الذي احترم مكانة الأحرف، ولم يقلل من حجم المادة التي بين يديه ولم يُهنها بتجرمة سيئة.

 

 

Advertisements

أحلام المدينةِ السّاذجة

قياسي

تبدو فكرة الأحلام للوهلة الأولى واعدة.
لكن، بعد ان تتضح الرؤية
تتكشف بأنها ساذجه!

أحلامنا ساذجة..
صغيرةً كانت أم كبيرة..
كلها ساذجة.

في الجزء الشرقي من المدينة
طفل صغير
يقول بأنه يريد أن يصبح رائد فضاء
أناس الشوارع ضحكوا
لكنني بكيت.

ياله من ساذج.
إنه في الجزء الشرقي.
حيثُ لا مكان للأحلامِ هنا.

تمرّ الفُرص من فوقنا
وتغطي رؤوسنا الغبار
تترك علاماتٍ على أجسادنا
خطوط حمراء تذكرنا دائما
ألّا نعبرها.. 
إنها لعنةُ البقاء.

بحيرة البجع تغنّي الحياة

قياسي

موسيقى بُحيرة البجع لتشايكوفسكي تُغني الحياة لمن يُنصت..

Tchaikovsky: Swan Lake – The Kirov Ballet

فالس بُحيرة البجع:

رقصة البجعات الصغيرت:

 

 المشهد الأخير: الخير والشر. الحياة والموت.

10/4/1995

قياسي

Lillian-Mongeau-Schenker_-NaturePK_029-web-800x0-c-default

لقد ولدتُّ في الربيع
على حافة الوادي وضعتني أمي
تقول لي:
عندما جئتِ على هذه الدنيا
كانت يداكِ محمّلة بكيسٍ من دبابيس الشعر
والممرضة إبتهجت:
أوه.. وجهها ملائكيّ
إنها ملائكة نزلت من السماء.
وعلى رأسي زهور النرجس البرّي
تعانقني أوراقها الستّه
وتلفحُ وجهي الشمس الدافئة
وتغطيني غيوم السماء
سكنتُ بيت العنكبوت
ولعبتُ مع الأسماك..
زرعتُ الحبّ
وصادقتُ الطبيعة.

الربيعُ وحده يشبهني.

والدي العزيز أوبيرا أميره – آندريه ريو

قياسي

عندما تُغنّي الملائكة “أوه والدي العزيز” على الأرض، تنصت الطبيعة وتبكي..

*

أوه والدي العزيز، أحبّه، إنّه وسيمٌ للغاية.

أريد الذهاب إلى بورتا روسّا لشراء خاتم الزفاف،

نعم.. نعم أريد الذهاب إلى هُناك!

وإذا كان حُبّه أكذوبة..

فـ عند جسر (بونتي فيشيو)

سأرمي نفسي في نهر آرنو..

نهايةً لأحزاني ولآلامي.

آوه يا إلهي! أود أن أموت.

أبي تحلّى بالرحمه..

 

André Rieu & Amira – O Mio Babbino Caro

 

 

شاعر البرتغال الحزين -فرناندو بيسوا-

قياسي

فرناندو بيسوا..
الرجل البرتقالي الحزين.
مابك؟
إنفصلت روحك عن جسدك.
أمرتاحٌ الآن!
أليس هذا ما أردته طِوال الـ 47 سنة؟
تمكّن منك ثنائي القُطب
وأكلك تشمّع الكبد..

أغنّي قصائدك في أمسيات شعرية
ينبذني الجميع،
لا أحد يريد سماع الوحدة
النحيب
والبكاء
لا أحد يريد قراءة الحزن
الجميع يبحث عن الحُب
يتركونني أغني وحيدة
للجدران، وللكؤوس الفارغة
أقرأ أناشيدك لـ
نوافذ الصيف
و قطط الشوارع..  فتبكي
أجمع المتشردين على حلقة من نار
يستمعون جيدا
لأول مره يصمتون
يبكون،
ثم ينامون في هدوء.. لأول مره.
لأول مره.. لم يسرقني أحد.
إذن..
وجودنا هو المأساة.. أتفق
ولكن.. قل لي ياصديقي
كيف فعلتها؟
كيف فصلت نفسك عن جسدك
حتى أصبحت كالشبح؟
كيف إستسلمت؟
حدثتني جارتك ريتا عن ذلك
قالت: هذا يشبه ألڤارو تماما.
جاري سابقا! يستيقظ صباحا،
بوجه شاحب وينام بوجه شاحب.
يغلي المياه، لصنع القهوة.
ثم يذهب للمقهى لطلب الشاي والكحول.
أناديه من الشرفة:
ياألڤارو العزيز. صباح الخير،
مياهك تغلي وغازك سينفذ.
أحضر لي الخبز في الطريق.
هكذا، كل يوم، وكل صباح“.

حسنًا، أتمنى لو شهدتُّ ذلك..
كنت سأطفئ الغاز بنفسي
وأغلق النوافذ
وأذهب لطلب الشاي بجانبك.
لا أحبّ الشاي!

أيها العزيز.. لما فصلت نفسك؟
كان بإمكانك أن تحيا كالجميع..
كان بإمكانك أن تحبّ القهوة مثلا..
لا أعرف بما أناديك..
ثمانون إسما، وشخصيات كثيرة
لقد أنهكك ثنائي القطب حقًا!
ﺃﻟﺒﺮﺗﻮ ﻛﺎﻳﻴﺮﻭ، ﺭﻳﻜﺎﺭﺩﻭ ﺭﻳﻴﺲ،
فرناندو بيسوا، أم ألڤارو دي كامبوس؟

..

قياسي

image

خبز وماء يتوسطان الطاولة فقط.
خبز وماء وإمرأة تقف أمام المغسلة
المطبخ صغير
لا يكفي الجميع
الفطور الصباحي الجماعي
أمر لم يحدث من قبل
وصوت الغاز مزعج
والسخّانة تصرصر
والثلاجة تسكب المياه
البالوعة تتقئ كل مرة
والصحون المهملة
وأكواب الحليب
والذباب الذي يأكل
من بقايا الأسبوع الماضي
ولا شيء في هذه الغرفه ينبض بالحياة
ماعدا قطعة الخبز والماء وطفل صغير