..

قياسي

image

خبز وماء يتوسطان الطاولة فقط.
خبز وماء وإمرأة تقف أمام المغسلة
المطبخ صغير
لا يكفي الجميع
الفطور الصباحي الجماعي
أمر لم يحدث من قبل
وصوت الغاز مزعج
والسخّانة تصرصر
والثلاجة تسكب المياه
البالوعة تتقئ كل مرة
والصحون المهملة
وأكواب الحليب
والذباب الذي يأكل
من بقايا الأسبوع الماضي
ولا شيء في هذه الغرفه ينبض بالحياة
ماعدا قطعة الخبز والماء وطفل صغير

Advertisements

كرنڤال الراسورات

قياسي

إنني أخشى من أنني قد أوهم نفسي
في بعض الأحيان..
لا، بل في كثيرٍ من الأحيان
بأن الأوضاع ستتحسّن.
“ستتحسّن يومًا، ويصبح كل شيء بخير“
-يا إلهي!
إنني أوهم نفسي مرة أخرى!
أكذب على نفسي مرة أخرى!!.

يامدينة المستنقعات الراكدة
والطحالب الخضراء
والدوسنتاريا
إنني أطفو فوق ظهرك
وأقبّل يديك
افتحي لي
جميع النوافذ المغلقة
مرة واحدة فقط!

واليد التي تكبّل
عنقي من الخلف
ستُقطع يومًا..
ويد الوحش الكبير
التي تقبضُ على معدتي
ستفلتني يومًا.

إنه القلق!
القلق الدائم.
القلق من كل شيء.. وأي شيء.

كاذبة.. كاذبة.. كاذبة..
ورائحتك زائفة ونتنة.
وتخافين الحُلم.

واقعيّة أكثر من اللازم
بطريقة غير مريحة البتّه
بطريقةٍ مزعجة أحيانًا.
بطريقةٍ مُبكية..

رأسي ملئ بالراسورات
الكثير من
الراسورات النابضة،
لايمكن عدّها.
تطنّ في رأسي
كلما اختليت بنفسي.

فراغٌ.. فراغٌ.. فراغ!

لاأستطيع جمع شتات نفسي
وأشتاق لروحي القديمة.
إنني أنجر الى هوّة ساحقة
ومعتمة.
لا أرى فيها
الا بعض النقاط البيضاء!
لا، انها ليست نقاط بيضاء.
بل عيونٌ تبصرني!.
لا.. ليست عيون أيضًا..
بل……
أوه.. مالذي آراه بالتحديد؟
يجب أن أمسح نظارتي.

أنا أيضا (3) -إلى الشاعرة آن ساكستون-

قياسي

أنا أيضا مثلك يا آن
لا أحب اليأس
ومللت المرساة التي تجرني الى الأسفل.
أيها اليأس
أنت لاتناسب وجهي
ولا كتاباتي
ولا فنجان الشاي الخاص بي.
ولا وريقات النعناع التي تغطي الشرفة
ولا أزهاري..
ولا صبّارتي البلاستيكيّة.
*

على حافة الوادي
تقص آن شعرها بمقصٍ حديديّ
وأنا من ورائها أتبع خطواتها
بينما نسمع سويًا صوت أصداء غريبه قادمة من تحت. على وجهها تبدو ملامح الهدوء
عيناها متعبتان.. قليلًا
شفتاها مغطاة بالقشور.. جافّة
وعلى قلبها يتربع “سلطعونٌ“ ضخم
يقبض على أنفاسها كلما صرخت.
*

نصعد درج المنزل
تُخرج قنينة الكونياك وكأسًا صغيرة
وقطعة ثلج واحدة.. تكفي.
الصوت إخترق رأسها
ولايمكن التخلص منه الا بهذه الكأس.
“أحبّ الفرار من رأسي
وهذا غير واردٍ البتّه“*
“إنني الآن مستسلمة بالكامل“*
تُشغّل الراديو
فيصدح صوت موسيقى البلوز فجأة..
مادي والتر يغنّي صديقه الذي قُتل..
الجميع متفق على إنهاء كل شيء.
“عجبا للموسيقى تنهمر على الحواس وتُبصر أكثر منّي“*
انسلّت كشبح من امامي
وأنا ارقص على الموسيقى
دخلت للمرأب وأغلقته من وراءها
و”تنفست الظلمة في قلبها“.
و رحلت.
/

دراما الحرب.

قياسي

صديقي العزيز، أشعر بالبرد الشديد، على الرغم من أننا في العاشر من شهر يونيو 2017، وعلى الرغم من الحر والرطوبة التي في الخارج، إلّا أن ثمة ريح باردة مندسّة تتسلل بين طبقات الجو لتلطيفه قليلًا. أنا أشعر بها.. أم أنه جهاز التكييف؟.
اليوم إستجمعت قواي، وذهبت للسيدة الألمانية التي أخبرتك عنها سابقًا (مارتا هيلرس) التي تكتب مذكراتها عن الحرب في برلين.. تذكرها؟ انها منهكة، ومتعبه ولكنها بأفضل حال من ذي قبل. اليوم هو الإثنين 21 مايو 1945 الجيش الأحمر إنسحب من الشوارع قليلًا، وعادوا إلى ثكناتهم العسكرية. تحتفظ مارتا في جيبها بورقة مكتوب عليها القرار الصادر مؤخرًا: يمنع على أي عسكري روسي الدخول إلى المنازل عنوة.
انها تشعر بالفرح، لايمكنني أن أصف لك الفرحة التي ترتسم على ملامح وجهها كلما أخرجت الورقة من جيبها وقرأتها لي من جديد. هذه الورقة ستحميها من الإغتصاب. وعندما يتعرض لها أحد ما من الجيش الأحمر ستخرج له الورقه وتعرضها أمامه ليعود بضع خطواتٍ إلى الوراء.. لازالت تنام بقلق مستمر، كما قلتُ لك سابقًا، إنها إمرأة ولايمكنها فعل شيء حيال ذلك. تتذكر دائما ماحدث لها.. تصرخ أحيانا في وجهي بدون أي سبب: إنه كابوس.. هل تعرفين شكل الكوابيس التي تلاحقك بإستمرار حتى وأنت مستيقظه؟ لا.. لاتعرفين.
إنها متحدثه رائعه، تتحدث الألمانية والروسيّة والقليل من الفرنسيّة.. وأنا بائسة لا أتحدث إلا العربيّة، ولكننا ومع ذلك نفهم بعضنا البعض.
قدمت لي الخبز، وقليلًا من شراب عصير الليمون الحامض.. إستسمحتني عذرًا وذهبت لتسقي خضرواتها التي زرعتها مؤخرا في الشرفة بعدما بدأت بالنهوض بنفسها.
السابع من يونيو 2017، أفتح اليوتيوب أختار إحدى الأفلام الوثائقية لمشاهدتها.. أبحث عن الآلم عن وجه سيحفر في ذاكرتي لكي لا أنساه..
أبناء الحرب.. المغتصبات في البوسنة، انا الآن في الأول من إبريل/نيسان عام 1992، الحرب على البوسنة قرعت طبولها، الكروات أعلنوا الحرب، ولايبدو لي بأنها ستنتهي عما قريب. أُمضى وقتي في المشاهدة، الدقائق تمرّ كالأعوام، بطيئة جدًا!.
الآن أكتب هذا. الساعة الرابعة فجرا يوم السبت وبعد عدة أيام من مشاهدتي للفيلم أبكي بلا سبب. أتذكّر بأنها كانت سيدة قويّة، رئيسة إحدى المنظمات في البوسنة، تتحدث عن حقوقها المنسيّة هي وجميع المغتصبات، وعن رغبتهنّ الشديدة في القبض عمن قام بتلك الأفعال الهمجيّة، تتحدث بكل صلابة وكل حزم وقوّة، الوحيدة التي جذبت إهتمامي الكامل، إلى أن تطرقّت لذكر أحداث قصتها.
حسنا، لم أكن أعلم بأن وراء كل تلك الصلادة قصّة.. فاتتني قراءة الشريط، لا أذكر إسمها ولا إسم منظمتها.. ولكنني أذكر وجهها وهذا يكفيني. على مرأى عينيّ إنكسرت فجأة، إنهار كل شيء وتحطمت أمامي.. جارها الشرطي الصربي هو من أبلغ عنهم، وهو من ساعدهم على إرتكاب هذه الجريمه، لازالت تبحث عنه علّها تجده لتقدمه إلى العداله.
أنت لاتعرف مدى كميّة البؤس وقلّة الحيلة التي شعرت بها في تلك اللحظة، ولاتعرف  كم أكره هذا العالم الآن. ولاتعرف أيضا كم أتمنى أن ينتهي كل شيء بسرعة.
بكاء تلك السيدة وغيرها، ومعاناة السيدة مارتا مع الجيش الرّوسي كعيّنة بسيطة لما حدث في تلك الحرب. مزّق شيئا ما في قلبي، وأنا لا يمكنني أن أعود كما السابق ولا يمكنني أن أشعر كما السابق، وكل شيء الآن تغيّر.. ولايمكن إصلاحه.
ليأخذ ربّنا بيد النساء، وينصفهنّ في هذه الحياة ويحقق العدالة الدنيوية في مرتكبي كل تلك الجرائم أمام أعينهنّ.
أحسستُ بضآلة حجمي، وحجم مأساتي والحرب التي أعيشها منذ عدة أعوام.
الحرب.. على بعد عدة شوارع منّي، ولا أعرف كيف سأنجو من كل هذا، أنا في حلم طويل .. أقصد كابوس، ولا يريد الإنتهاء.. قفص كبير، ولا شيء يبدو لي عادل في هذه الحياة.. لا الأهل، لا الأصدقاء ولا الساسّة الملعونين ولا أحد.

قياسي

image

لقد أضعتُ طريق العودةِ منذُ إنحرافي عن المسار. قلت في ذلك الوقت.. في تلك اللحظة، أيّام قليلة.. عدّة أيام ثمّ سأعود من جديد. بدا لي الإنزلاق على تلك التلّة أمرا مغريًا ومريحًا، شيء ما في داخلي أخبرني: ربما سيتغيّر الحال، أنظري لمن حولك!
ولكنني مع كل هذا، حتى مساء اليوم.. لم أعد.
بدت لي طريق العودة سهلة جدا في تلك اللحظة.
حسنًا، لا أعرف مالذي دهاني. إنّه سهل ومُخيف.. العودة مخيفة.
ولكن لاشيء تغيّر، ولا أي شيء.. الكثير من الوقت، ولا شيء أخر. إذن، هل أعود؟.
أنا في الواقع، لا أعرف بالتحديد مالذي يدفعني إلى الأمام ويحجب عنّي الرؤية من الخلف. ولا أقصد بالأمام الذي يؤدي بصاحبه إلى الإزدهار والنجاح، لا بل الهلاك، والإضمحلال.. وأخيرا الضياع.
إلا أن شيئًا يلازمني طِوال الطريق، شيء ما يلاحقني بإستمرار ويذكرني بالعودة كلما إرتكبت ذنبا.. أوه، الذنوب.. تملأ أكتافي، تلتصق بي كلما تخلصت من واحده.. أنا إذا لست بالملاك كما أخبرني أبي يوما، أولست كذلك؟.
شيء ما ينتشلني كلما إنغمست قدماي في الوحل، يغسلني، ويربّت على كتفي، يغسل أصابعي بماء الطهارة، ويمسح رأسي وشعري، وينفث في وجهي، ويذكرني.. يذكرني بإستمرار بالعودة.
وأنا فتاة مخادعة، أوافقه الرأي، وأعده بأنني غدًا في الصباح، سألملم الفراشات، وما تبقى لي من حوائج، سأُخرج الحذاء الجديد، وأعود.. ثمّ أنكث العهد.
ولكنّه، ومع كل هذا.. يبقى بجانبي.
لا أخدع أحدًا هنا، ولا أخسر أحدا أيضا، ولم يضِع منّي أحد، ولم أبكي على أحد يوما، ولم أترك أحدا ضائعا هائما على وجهه في الطرقات، ماعدا نفسي.

4:40 فجرًا.
الثاني من رمضان.
لا أشعر بشيء.
تنسلّ نفسي من بين أصابعي، تندب حظها بإستمرار. ترثي حالها.. ولكن بلا جدوى.
أُحيط نفسي بصوت المؤذن، و زقزقة العصافير، وقربجة السيارات، وصوت صراخ أحدهم معلنًا “الفجر أذّن“.
أتمنى من رمضان هذا أن يغسلني جيدًا..
أن يأخذ بيدي ويدلني على الطريق..
أن أشعر قليلًا بالذي يُحاول جذب إهتمامي له..
أن أمدّ يدى المساعدة لمن يُريد من الأصدقاء..
العينةُ والصبر وكثيرٌ من القوّة والشجاعة يا الله.

شاهدة قبر

قياسي

image

أدفن عصافيري الميتة
أمام المنزل
وأضع شاهدا على رأس كل واحد منها
ثم أخذ الأقفاص وأفتحها
أضعها على حافة الشرفة
الكثير الكثير من الحبوب
والماء يتماوج في الإناء
منتظرة إصطياد عصفور أخر
ولكن هذه المره
سأحبسه قليلا
ثمَّ أطلق سراحه.

في الصباح
وجدت عصفورا أزرق اللون
يأكل ويشرب بنهم
وتسألت كم هو نظيف ذلك العصفور!
كم هو عطش ذلك العصفور
كم هو حزين ذلك العصفور.
وآقفلت القفص بهدوء
وإلتفتّ!.

ثم سمعت الصراخ والأنين
تعودّت على الحرية يقول.
سأحررك بعد عدة أيام، لاتقلق
سأموت سأموت.. أخرجيني
وأغلقت الباب ورائي
ونسيته
وتذكرته
وعندما عدت له من جديد
وجدت باب القفص مفتوحا
فتفاجأت.. ربّاه!!
مددت رأسي من الشرفة
لأتتبّع أثره
فلاحظت وجود شاهد رابع
أمام المنزل
وتذكرت بأنني دفنته البارحة
عندما انتابني الغضب من صوته.
الحريّة.. الحريّة.